التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٩٩ - متى وقع التقدير؟ وهل لايتنافى التقدير مع الاختيار؟
المحيط الشامل.[١]
والدليل على ذلك أنّ الوارد في سورتي الدخان والقدر هو النزول والتفريق، وليس أصل التقدير، فتدبّر جيّدا.
فاللّه تبارك وتعالى يعلم تقدير الامور حسب مجاريها علما في الأزل، لكنّه تعالى ينزل بهذا التقدير في كلّ ليلة قدر بشأن تفريقه طول ذلك العام، الأمر الذي لايبدو عليه أيّ شبهة تناقض.
متى وقع التقدير؟ وهل لايتنافى التقدير مع الاختيار؟
جاء في سورة الدخان أنّ التقدير إنّما يقع في كلّ ليلة قدر من شهر رمضان في كلّ سنة «فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ».[٢] وقد وردت روايات أيضا بأنّ ما يقع في تلك السنّة إنّما يُقَدَّر في ليلة القدر.
هذا، في حين كثرة الآيات والروايات بأنّ التقدير إنّما وقع في الأزل، وتجري الأُمور حسبما قُدّرت في اللّوح المحفوظ من غير تخلّف ولا تبديل. «ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها».[٣] «وَ ما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَ لا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ».[٤]
على أنّ هذه الآيات ترمي إلى سلب مسؤولية الإنسان عمّا يفعله، حيث إنّه كان مقدّرا له من قبلُ. وهذا يتنافى وقوله تعالى: «وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً».[٥]
أمّا المسألة الاولى فقد سبق البحث عنها في مسألة البداء وأنّ هناك تقديرين، تقديرٌ ظاهري حسب مجاري الأُمور الطبيعية من عللٍ وأسبابٍ تتفاعل حسب طبيعتها الاولى،
[١] - راجع: الكافي، ج ١، ص ٢٤٢- ٢٥٣.
[٢] - الدخان ٤: ٤٤.
[٣] - الحديد ٢٢: ٥٧.
[٤] - فاطر ١١: ٣٥.
[٥] - الإسراء ١٣: ١٧.