التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥٠ - ميزات القصة في القرآن
والانفعالات في شخصيّة الإنسان، والتربية على الاهتمام بالغرائز. وإنّما اتّصفت في القرآن بالأخلاقيّة، لأنّ المسيرة والحركة التكامليّة للإنسان- سواء على مستوى الفرد أو الجماعة- إنّما تقوم على أساس الأخلاق، بعد العقيدة باللّه تعالى والرسالات واليوم الآخر. بل إنّ الاتّصاف بالأخلاق العالية هو الذي يمثّل عنصر التكامل الحقيقي في حركة الإنسان الفرديّة والجماعيّة. ولذا كانت قاعدة المجتمع الإنساني في نظر الإسلام قاعدة أخلاقيّة، والسلوك الرّاقي للإنسان هو السلوك الأخلاقي. وقد ورد عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله قوله:
«بُعثتُ بمكارم الأخلاق ومحاسنها».[١]
لذا جاءت القِصّة في القرآن الكريم ذات طابع أخلاقي وللتربية على الإيمان باللّه والعمل الصالح، والسلوك الأفضل في الحياة الفرديّة والاجتماعية. ولعلّ هذا هو معنى الهدى والرحمة في الآية السالفة. ولذلك ورد قوله صلى الله عليه و آله أيضا: «إنّما بُعثت رحمةً للعالمين».[٢]
رابعا- الحكمة وكشف الحقائق الكونيّة وسنن التاريخ والقوانين والأسباب التي تتحكّم أو تؤثّر في مسيرة الإنسان، وعلاقاته الاجتماعيّة، والحياة الكونية المحيطة به.
لأنّ هذه الحقائق الكونية لها علاقة بمسيرة الإنسان التكامليّة، مادام أراد اللّه تعالى لهذا الإنسان أن يكون مختارا في حياته ومستعبدا للعلم والحكمة في تنظيم مسيرته. ولذا كان من أهداف الرسالة: تعليم الكتاب والحكمة، حتّى ينتفع بها الإنسان في تقييم حياته وتنظيم مسيرته. ولعلّه لهذه الصفة يقتصر القرآن الكريم في ذكر القصص والأحداث التاريخيّة على ما يكون له علاقة بهذه الجهة وفي اتّجاه هذا الهدف بالذات. وإلى ذلك أشارت الآية: «وَ تَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ»، حيث ينفتح من كلّ باب منه ألف باب. وعلى وزان قوله تعالى: «وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ».[٣]
[١] - بحار الأنوار، ج ١٦، ص ٢٨٧، عن أمالي الشيخ، ص ٢٧. رواه بإسناده إلى علي عليه السلام عنه صلى الله عليه و آله قال: سمعته يقول ...؛ وكنز العمال للمتّقي الهندي، ج ٣، ص ١٦، رقم ٥٢١٧. واللفظ فيه:« إنّما بعثت لُاتمّم مكارم الأخلاق». ورواه البخاري في الأدب المفرد برقم ٢٧٣.
[٢] - بحار الأنوار، ج ١٨، ص ٢٤٣.
[٣] - النحل ٨٩: ١٦.