التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٣ - «قل بل ملة إبراهيم حنيفا»
«قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً»[١]
زعم المتعرّب المتكلّف- الأجنبي عن لغة العرب- أنّ الحنيفية هي الميل عن الصراط السويّ. وقد استعملها القرآن في غير معناها الأصيل.
قال: وكثيرا مّا يستعمل القرآن الألفاظ العربية في غير ماوضعت له. من ذلك تعبيره عن دين إبراهيم بالحنيف يعني به القويم. لكن العرب تعني بالحنف الاعوجاج، ولذلك تسمّي عابد الوثن حنيفا لميله عن الدين القويم!
وزعم أنّ ذلك ممّا موّهته اليهود على صاحب القرآن فلقّنته ليدعو دين إبراهيم حنيفا، تعبيرا عليه ليفضح أمره عند العرب، فانخدع بذلك من غير دراية بمعناه العربي الأصيل.[٢]
يالها من جهالة عارمة تنبؤك عن غباوةٍ فاضحة!!
كيف ينخدع نبيّ الإسلام بمفاهيم لغةٍ كان فلذتها ولسان امّة كان من صميمها، أفهل يُعقل أن يتلاعب اناس أباعد- هم جالية المنطقة- بذهنيّة فحلٍ فخمٍ كان نابتة الربوة العليّة، أين العجم من أبناء إسرائيل من العرب من أبناء قريش؟! واين الهجين من العتيق الأصيل؟!
ولعلّ المتعرّب المسكين هو الذي انخدع بتلك التهجينات المفضوحة فحسبها لجّة، وماهي إلّا سراب فارغ!
كان منذ الجاهلية اناس يُدعَون بالحُنَفاء، حيث تنزّهوا الأدناس ورغبوا في الحنيفيّة البيضاء، دين إبراهيم الحنيف.
اجتمعت قريش يوما في عيدٍ لهم عند صنم كانوا يعظّمونه وينحرون له ويعكفون عنده ويدورون به، وكان ذلك عيدا لهم في كلّ سنة يوما، فَخَلُصَ منهم أربعة نفر نجيّا.[٣] ثُمَّ قال بعضهم لبعض: تصادقوا وَلِيَكْتم بعضكم على بعض، قالوا: أجل.- وهم: ورقة بن نوفل،
[١] - البقرة ١٣٥: ٢.
[٢] - ملحق ترجمة كتاب الإسلام، ص ٤٢٤- ٤٢٥.
[٣] - أي انفرد منهم هؤلاء الأربعة وجعلوا يتناجون فيما بينهم، أي يتحدّثون سرّا عن غيرهم.