التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٠ - وجعلناها رجوما للشياطين
السماوات ورميت الشياطين بالنجوم ...».[١]
وفي حديث الرضا عن أبيه الكاظم عن أبيه الصادق عليهم السلام في جواب مساءلة اليهود:
«أنّ الجنّ كانوا يسترقون السمع قبل مبعث النبيّ صلى الله عليه و آله فمنعت من أوان رسالته بالرجوم وانقضاض النجوم وبطلان [عمل] الكهنة والسحرة».[٢]
وهكذا حاول الشيخ الطنطاوي تأويل ظواهر التعابير الواردة في هذه الآيات إلى إرادة التمثيل، قال- ما ملخّصه-: إنّ العلوم التي عرفها الناس تُراد لأمرين: إمّا لمعرفة الحقائق لإكمال العقول، أو لنظام المعايش والصناعات لتربية الجسم. وإلى الأوّل أشار بقوله تعالى: «وَ لَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً».[٣] وإلى الثاني قوله: «وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ».[٤] وكلّ من خالف هاتين الطريقتين فهو على أحد حالين: إمّا أن يريد ابتزاز أموال الناس بالاستعلاء بلافائدة، وإمّا أن يريد الصيت والشهرة وكسب الجاه. وكلاهما لانفع في علمه ولافضل له. فمن طلب العلم أو أكثر في الذكر ليكون عالةً على الامّة فهو داخلٌ في نوع الشيطان الرجيم، مرجومٌ مُبْعَدٌ عن إدراك الحقائق ومعذّب بالذّل والهوان، وهذا مثال قوله تعالى: «إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ. وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى (فلا يعرفون حقائق الأشياء) وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ. دُحُوراً» بما ركّب فيهم من الشهوات وما ابتلوا من العاهات «وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ» أي في أمل متواصل ملازم لهم مدى الحياة. فلو حاول أن يخطف خطفة من الحقائق حالت دون بلوغه لها الأميال الباطلة «فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ».[٥]
نعم «إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ».[٦] ولاشكّ أنّها كناية عن حرمانهم العناية الربّانية المفاضة من ملكوت أعلى. الأمر الذي أُنعِمَ به الرّبانيّون
[١] - الأمالي للصدوق، ص ٢٥٣، المجلس ٤٨؛ وبحارالأنوار، ج ١٥، ص ٢٥٧.
[٢] - بحارالأنوار، ج ١٧، ص ٢٢٦ عن قرب الإسناد للحميري، ص ١٣٣.
[٣] - الحِجر ١٦: ١٥.
[٤] - الأعراف ١٠: ٧، الحجر ٢٠: ١٥.
[٥] - الصافّات ٦: ٣٧- ١٠. راجع: تفسير الجواهر، ج ٨، ص ١٣، و ج ١٨، ص ١٠.
[٦] - الأعراف ٤٠: ٧.