التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٣ - إن منكم إلا واردها
مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ».[١] وقوله: «فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ».[٢] إذ ليس المراد من الورود هنا الدخول، بل الدنوّ والاقتراب. قال الراغب: الورود، أصله قصد الماء، ثُمَّ يستعمل في غيره.[٣] قوله: «وَ لَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ» أي قصده واقترب منه. والوارد: الذي يتقدّم القوم ليرد الماء ويسقي لهم. قوله: «فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ» أي ساقيهم من الماء المورود.
قال: ويقال لكلّ من يرد الماء وارد، وقوله تعالى: «وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها».[٤] ومنه: ورد ماء كذا أي حضره.[٥]
وفي أمثال العرب: «أن ترد الماء بماءٍ أكيس».[٦] أي من الكياسة والاحتياط أن يكون واردُ الماء مستصحبا معه شيئا من الماء، ولعلّه يرد الماء فلا يجده.
قال زهير- شاعر الجاهلية-:
|
فلمّا وَرَدْنَ الماءَ زُرقا جِمامُهُ |
وَضَعْنَ عِصِىَّ الحاضِر المتخيِّمِ[٧] |
|
أراد: فلمّا بلغن الماء أقمن عليه.
قال الزّجاج: والحجّة القاطعة على أنّهم لايدخلونها هي قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ. لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها».[٨]
وللطبرسي هنا كلام مذيّل ونقل آراء، اقتصرنا على الأرجح منها، فليراجع.[٩]
ولابن شهرآشوب توجيهٌ لطيفٌ بإرجاع ضمير الخطاب إلى منكري الحشر على طريقة الالتفات.[١٠]
[١] - القصص ٢٣: ٢٨.
[٢] - يوسف ١٩: ١٢.
[٣] - المفردات، ص ٥١٩.
[٤] - مريم ٧١: ١٩.
[٥] - المصدر.
[٦] - مجمع الأمثال للميداني، ج ١، ص ٣٢، رقم ١٢٩.
[٧] - هذا البيت من معلّقته المشهورة. يقول: فلمّا بلغت الضعائن الماء وقد اشتدّ صفاء ما جمع منه في الآبار والحياض عزمن على الإقامة فوضعن العصيّ وعمدن إلى نصب الخيام كما في المتحضّر. والزرقة: شدّة الصفاء. والجمام: جمع جمّ الماء وجمّته. ووضع العصيّ كناية عن الإقامة، لأنّ المسافر إذا عزم على الإقامة بمكانٍ وضع عصاه. والتخيّم: نصب الخيام. شرح المعلّقات السبع للزوزني، ص ٧٧
[٨] - الأنبياء ١٠١: ٢١ و ١٠٢.
[٩] - مجمع البيان، ج ٦، ص ٥٢٥- ٥٢٦.
[١٠] - متشابهات القرآن لابن شهرآشوب، ج ٢، ص ١٠٧.