التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٥ - تحرير الرقيق تدريجيا
نفسه.[١]
فياترى هل من المعقول أنّ شريعة- كشريعة الإسلام الداعية إلى تحرّر الإنسانية- تقرّر من رقّيّة مثل زيد، بهذا الشكل الفضيع المشجى الذي تمجّه النفوس الأبيّة فضلًا عن العقول الحكيمة!؟
كلّا، لايقرّره أبدا، ما عرفنا من الإسلام دين الفطرة، دين الإنسانية المتحرّرة، الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحلّ لهم الطيّبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.[٢]
قالوا:
وهنا يخطر السؤال الحائر على الأفكار والضمائر: إذا كان الإسلام قد خطا هذه الخطوات كلّها نحو تحرير الرقيق، وسبق بها العالم كلّها متطوّعا غير مضطرّ ولا مضغوط عليه، فلماذا لم يَخْطُ الخطوة الحاسمة الباقية؟ فَيُعلن في صراحة كاملة إلغاء الرّقّ من حيث المبدأ، وبذلك يكون قد أسدى للبشريّة خدمةً لاتُقدَّر، ويكون هو النظام الأكمل الذي لاشبهة فيه، والجدير حقّا بأن يصدر عن اللّه الذي كرّم بني آدم، وفضّلهم على كثير ممّن خلق؟![٣]
قلت: ليس يخفى على ذوي اللّبّ أنّ الإسلام قد جفّف منابع الرّقّ كلّها- كما ذكرنا- فيما عدا منبعا واحدا لم يكن من المصلحة تجفيفه آنذاك، وذلك هو رقّ الحرب، لملابسات سوف نذكرها. وعليه فقد أعلن- لكن في غير صراحة- إلغاء نظام الرّقّ من حيث المبدأ، وإن كان التشديد عليه بحاجة إلى توفّر شرائط لم تكن مؤاتية حينذاك، كما أشرنا إليه وسنشير. وينبغي أن ندرك حقائق اجتماعية وسيكلوجيّة وسياسيّة أحاطت بموضوع الرّقّ، وأخّرت هذا الاعلان (الصريح) المرتقب. وإن كان ينبغي أن ندرك أنّه
[١] - راجع: تمام القصّة في أُسد الغابة لابن الأثير في ترجمة زيد، ج ٢، ص ٢٢٤- ٢٢٥.
[٢] - من الآية ١٥٧ من سورة الأعراف.
[٣] - سؤال طرحه سيد قطب وأجاب عليها بما جاء ملخّصا هنا. شبهات حول الإسلام، ص ٣٩.