التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٣٠ - التحضر البشري في عهد ذي القرنين
أيضا،[١] وكانت خيرات الإقليم تتوجّه زمن كورش إلى همدان وسائر البلاد المعروفة ذلك اليوم.
وأودية هذا الإقليم الكبير مزدحمة بغابات الأشجار المثمرة، وفي مناطق العراء كانت زراعة البطاطا والشمندر السكّري من أهمّ حرف السكّان في العصور القديمة.
ففي آذربيجان كان القمح الشتوي يزرع هناك بنجاح كبير، علاوة على أنواع اخرى من الحبوب وكذلك الكروم والجوز ... وداغستان بلاد زراعيّة بالدرجة الاولى من العصور القديمة حتّى الآن، فهي تنتج القمح والذرّة والبطاطا والخضروات والكرمة، كما أنّ الماشية ترعى في سفوح الجبال وأشهر مواشيها الأغنام ... ومناخ جورجيا (گرجستان) من آلاف السنين ملائم لزراعة الحبوب وخاصّة الذرّة والكرمة والحمضيّات والشمندر السكّري[٢] وهذه المزروعات تجدها في كلّ أنحاء الإقليم. وثروة الإقليم بالماشية هائلة، إذ تنتشر المراعي الواسعة كما رأينا وتربّى عليها قطعان الماشية وخاصّة الأغنام.
ومن الملامح التي عرضناها بإيجاز تأكّد لنا قدرة الإقليم على تموين العمّال والمهندسين بالطعام والشراب الكافي، دون أن يحدث نقص في إمدادات الغذاء، أي أنّ الأمن الغذائي كان مكفولًا.
والموادّ الخام اللازمة كانت متوفّرة، من حديد ونحاس وفحم وأخشاب، وحيوانات الجرّ والحمل كانت موجودة تفي بالغرض تماما. والأيدي العاملة الرخيصة كانت متوفّرة كذلك. والخبرة الفارسيّة، والتخطيط الدقيق لكورش كلّها كانت مقوّمات نجاح تشييد أعظم السدود في العالم، لدرجة جعلت القرآن يصفه بالردم، أي السّدّ الضخم الهائل في
[١] - وقد ورد أنّ شهرة الإقليم بالأسماك كمورد غذائي للسكّان والتصدير لا تُضارَع، حيث كانت الأسماك تكثَر في بحيرات أرمينيّة وسواحل القوقاز وخصوصا بحيرة« وان» التي اشتهرت بنوع خاصّ وبكميّات هائلة منه، وهو الذي يعرفه العرب باسم« الطريخ» وكان هذا السمك في العصور القديمة يملّح ويصدر إلى الجهات البعيدة كالهند. انظر: القزويني، طبعة قستنفلد، ج ٢، ص ٣٥٢. مفاهيم جغرافية، ص ٣١١. ولا يزال الناس في أرمينيّة وآذربيجان وبلاد القوقاز وآسيا الصغرى يستطيبون هذا السمك المملّح حتّى يومنا هذا.
[٢] - فقد عَرَف الإقليم جميع الحبوب من آلاف السنين- حسبما تقول الجغرافيا التاريخيّة- وعثر عليها في الآثار القديمة، ووجدت قوارير مملوءة بالحبوب وغيرها القمح- الذرّة- القصب- الارز. انظر: مواطن الشعوب الإسلاميّة، قفقازيا لمحمود شاكر، ص ٦٢- ٦٩.( مفاهيم جغرافية، ص ٣١١).