التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٧ - وللرجال عليهن درجة
كلّ مراحل الطريق، والتي تزاول إنشاء وتنشئة العنصر الإنساني، وهو أكرم عناصر هذا الكون في التصوّر الإسلامي. وإذا كانت المؤسّسات- التي هي أقلّ شأنا وأرخص سعرا كالمؤسّسات المالية والصناعية والتجارية وما إليها- لا توكل أمرها عادةً إلّا للأكفاء من المرشّحين لها ممّن تخصّصوا في هذا الفرع علميا ودرّبوا عليه عمليّا فوق ما وهبوا من استعدادات طبيعية للإدارة والقوامة، فالأولى أن تُتَّبع هذه القاعدة في مؤسّسة الاسرة التي تُنشِئ وتُنشِّئ أثمن عناصر الكون، ذلك هو العنصر الإنساني.
والمنهج الربّاني يراعي هذا، ويراعي به الفطرة والاستعدادات الموهبة لشطري النفس- العقلاني والجسماني- لأداء الوظائف المنوطة بهما معا، كما يراعي به العدالة في توزيع الأعباء على شطري الاسرة الواحدة، والعدالة فياختصاص كلٍّ منهما بنوع الأعباء المهيّأ لها، المعان عليها من فطرته واستعداداته المتميّزة المتفرّدة.
والمسلَّم به ابتداءً أنّ الرجل والمرأة كلاهما من خلق اللّه، وأنّه تعالى لايريد ظلما بأحدٍ من خلقه، وهو يُهيّئ ويُعدّه لوظيفة خاصّة، ويمنحه الاستعدادات اللازمة لإحسان هذه الوظيفة. وقد خلق اللّه الناس ذكرا وأُنثى زوجين على أساس القاعدة الكلّيّة في بناء هذا الكون. وجعل من وظائف المرأة أن تحمل وتضع وترضع وتكفل ثمرة الاتّصال بينها وبين الرجل. وهي وظائف ضخمة وخطيرة وليست هيّنة ولايسيرة، بحيث يمكن أن تؤدّى بدون إعداد عضويّ ونفسيّ وعقليّ عميق غائر في كيان الانثى. فكان جديرا أن ينوط بالشطر الآخر- الرجل- توفير الحاجات الضرورية، وتوفير الحماية كذلك للُانثى كي تتفرّغ لأداء وظيفتها الخطيرة. ولا يحمل عليها أن تحمل وتضع وترضع وتكفل ثم هي التي تعمل وتكدّ وتسهر ليلًا وتجهد نهارا لحماية نفسها وكفالة ولدها في آنٍ واحد! فكان عدلًا كذلك أن يمنح الرجل من الخصائص في تكوينه العضويّ والعصبيّ والعقليّ والنفسيّ مايُعينه على أداء وظائفه هذه الخطيرة أيضا. وكان هذا فعلًا «وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً».[١]
[١] - الكهف ٤٩: ١٨.