التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤ - الإنسان سر الخليقة
اللّهُ يصول ويجول ضدّ بني آدم
ومسرحا آخر ترينا التوراة كيف حشّد الإله الربّ جموعه لمكافحة بني آدم: فرّق شملهم وبلبل ألسنتهم فلا يجتمعوا ولا يتوازروا ولايتعارف بعضهم إلى بعض ولايتعاونوا في حياتهم الاجتماعية ... لماذا؟ لأنّه كان- وحاشاه- يخاف سطوتهم فيثوروا ضدّ مطامع الإله!!
جاء في سفر التكوين: كان بنو الإنسان على لسانٍ واحد متفرّقين على وجه الأرض، فحاولوا التجمّع وبناء مدينة في أرض شنعار (بين دجلة والفرات من أرض العراق).[١] فنزل الربّ لينظر بناء المدينة والبرج (برج بابل) ولكن هابه ذلك وخاف سطوتهم، فعمد إلى تدمير المدينة وتفريق الألسن، فلا يستطيع أحدهم أن يجتمع مع الآخر ليتفاوض معه، فبدّدهم الربّ من هناك على وجه الأرض ومنعهم من البنيان.[٢]
هكذا تُبدي التوراة عداءه تعالى مع بني الإنسان!
هذا والقرآن يحثّ الامم على الاجتماع دون التفرّق، وعلى التعارف بعضهم مع بعضهم ليتعاونوا في الحياة، دون التباغض والتباعد والاختلاف:
«يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا ...».[٣]
«وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ».[٤]
الإنسان سرّ الخليقة
الإنسان- كما وصفه القرآن- صفوة الخليقة وفلذتها وسرّها الكامن في سلسلة الوجود.
لاتجد وصفا عن الإنسان وافيا ببيان حقيقته الذاتية التي جَبَله اللّه عليها- في جميع
[١] - عرفت باسم بابل عاصمة الكلدانيين ممّا يلي الحلّة الفيحاء.
[٢] - سفر التكوين، الأصحاح ١١.
[٣] - الحجرات ١٣: ٤٩.
[٤] - الأنفال ٤٦: ٨.