التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٦ - موهم الاختلاف والتناقض زيادة على ماسبق
غطّيته فقد كفرته.[١] ومنه قيل: تكفّر فلان في السلاح: إذا تغطّى. ومنه قيل للّيل: كافر: لأنّه يستر بظلمته كلّ شيء. ومنه قول الشاعر (هو لبيد بنربيعة):
|
يعلُو طريقَةَ متنها متواترا |
في ليلةٍ كفر النجومَ غمامُها[٢] |
|
وقالوا في قوله تعالى: «وَ أَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ»:[٣] استثناؤه المشيئة من الخلود يدلّ على الزوال، وإلّا فلا معنى للاستثناء. ثم قال: «عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ» أي غير مقطوع!
وقوله: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ»[٤] أي غير مقطوع ومن غير أذى، فكيف التوفيق؟!
قال ابنقتيبة في الإجابة على ذلك: إنّ للعرب في معنى «الأبد» ألفاظا يستعملونها في كلامهم، يقولون: لاأفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار، وما طمى البحر أي ارتفع ماؤه وامتلأ، وما أقام الجبل، ومادامت السماوات والأرض، في أشباه لهذا كثيرة، يريدون:
لاأفعله أبدا؛ لأنّ هذه المعاني عندهم لاتتغيّر عن أحوالها أبدا، فخاطبهم اللّه بما يستعملونه، فقال: «خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ» أي مقدار دوامهما، وذلك مدّة العالم.
وللسماء والأرض وقت يتغيّران فيه عن هيئتهما، يقول اللّه تعالى: «يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَ السَّماواتُ».[٥] ويقول: «يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ».[٦]
أراد أنّهم خالدون فيها مدّة العالم، سوى ماشاء اللّه أن يزيدهم من الخلود على مدّة العالم. و «إلّا» في هذا الموضع بمعنى «سوى». ومثلُه في الكلام: لأسكننّ في هذه الدار حولًا إلّا ما شئت، تريد: سوى ما شئت أن أزيد على الحول.
[١] - وإنّما يقال للملحد« كافر» لأنه غطّى فطرته وستر نداء ذاته بالوحدانية.
[٢] - أي يعلو طريقة متن هذه البقرة مطر متتابع في ليلةٍ ظلماء على أثر تراكم السُحُب التي غطّت وجه النجوم. والطريقة:
خطّة مخالفة للون البقرة. والمتنان: مكتنفا الظهر. وقد استشهد بهذا البيت الطبري في التفسير، ج ١، ص ٨٦، وابنقتيبة في تأويل مشكل القرآن، ص ٧٦.
[٣] - هود ١٠٨: ١١.
[٤] - فصّلت ٨: ٤١.
[٥] - إبراهيم ٤٨: ١٤.
[٦] - الأنبياء ١٠٤: ٢١.