التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩١ - متى كان هذا الهروب واللجوء؟
وتقول الروايات إنّ الملك الوثني الذي اضطهد النصارى كان يسمّى «داقيوس» الذي ملك مابين (٢٤٩- ٢٥١ م). أمّا الملك النصراني الذي بعث الفتية في عهده فهو الملك «تيودوس» الثاني (٤٠٨- ٤٥٠ م). فتكون مدّة مكوثهم في الكهف ما يقرب من (٢٠٠) سنة، وهذا لا يتّفق مع ما ورد في القرآن من أنّ أصحاب الكهف «لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً»؟![١]
يقول الدكتور عبدالوهاب النجّار- معلّقا على ذلك في الهامش-: الذي الاحظه، أنّ عبارة دائرة المعارف الإسلامية كعبارة أكثر المفسّرين، تعتبر أنّ قوله تعالى «وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً» خبر عن مدّة مكث أهل الكهف في كهفهم منذ دخلوه إلى أن استيقظوا!
ولكنّي أفهم غير ذلك وأقول: إنّ قوله «وَ لَبِثُوا ...» معمول لقوله «سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ ...» فهو من مقول السائلين وليس خبرا من اللّه تعالى، ولذا أُتبع ذلك القول بقوله «قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ». وكذا هنا أتبع قوله «وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ ...» بقوله «اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ...».
فالقرآن ساكت عن عددهم وكذا عن مقدار لبثهم، إذ لاغرض يترتب على الهدف الذي ساقه القرآن.
وقد ورد هذا القول عن ابنعباس وتلميذه قتادة.
قال ابنعباس: إنّ الرجل ليفسّر الآية يرى أنّها كذلك، فيهوي أبعد ما بين السماء والأرض!
ثمّ تلا: «وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ...» قال: لو كانوا لبثوا كذلك لم يقل اللّه: «قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا»، لكنّه حكى مقالة القوم في العدد وفي المدّة، وردّ عليهم بأنّه تعالى أعلم.
وقال قتادة: في حرف (أي قراءة) ابنمسعود: «وقالوا لبثوا في كهفهم ...» يعني إنّما قاله الناس، ألاترى أنّه قال: «قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا».
[١] - الكهف ٢٥: ١٨. راجع: دائرة المعارف الإسلاميّة المترجمة، ج ٢، ص ٢٤٢.