التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٥١ - أغراض القصة في القرآن
وهذا بخلاف ما لوكانت القصّة لمجرّد التسلية أو لتدوين الحوادث والوقائع التاريخيّة، كما هو شأن كتب التواريخ.
تلك ميزة القصّة القرآنية، تعبيرا عن واقع الحياة، لغرض التربية والعبرة بتجارب التاريخ، ولكشف الحقائق الراهنة المؤثّرة في مسيرة الإنسان نحو الكمال. وليس عبثا ولا مجرد تسلية أو تخييل. وهكذا افترقت القصّة القرآنية عن غيرها بأنّها قصّة الأحياء، قياسا للباقين على الماضين. وليس سرد حكاية الأموات أو نقل آثارهم فيما تمتّعوا بالحياة، وأكثره عبث لا خير فيه.[١] ولذلك كان القرآن المنزّل أحسن الحديث.[٢]
أغراض القصّة في القرآن
نجد القصّة القرآنيّة تستوعب في مضمونها وهدفها كلّ الأغراض الرئيسيّة التي جاء من أجلها القرآن الكريم، بعد أن كانت القصّة هي الأداة المفضّلة التي استخدمها القرآن في سبيل تحقيق أهدافه وأغراضه جمع. ومن ثَمَّ نرى القرآن قد استخدم القصّة لإثبات الوحي والرسالة. وإثبات وحدانيّة اللّه، وتوحّد الأديان في أساسها، والإنذار والتبشير، ومظاهر القدرة الإلهيّة، وعاقبة الخير والشرّ والصبر والجزع والشكر والبطر وما إلى ذلك من أهداف رساليّة وعقائديّة، تربويّة واجتماعيّة وسنن التاريخ وما شابه. وإليك الأهمّ من هذه الأغراض:[٣]
١- كان من أغراض القصّة إثبات الوحي والرسالة، وأنّ ما ينزل على محمّد صلى الله عليه و آله هو وحي من عند اللّه، لاشيء سواه. فمحمّد صلى الله عليه و آله لم يكن يكتب ولا يقرأ الكتب ولا عرف عنه أنّه جالس أحبار اليهود والنصارى، ثُمَّ جاءت هذه القصص في القرآن على أدقّ وصف وأحسن بيان، لا تحريف فيها ولا تشويه، فكان أدلّ دليل على أنّه وحي يوحى وليس نقلًا عن كتب محرّفة أو أقاصيص مشوّهة. والقرآن ينصّ على هذا الغرض نصّا في مقدّمة
[١] - راجع: الميزان في تفسير القرآن، ج ٧، ص ١٧٢؛ والقصص القرآني للسيد الحكيم، ص ٢١- ٣٠.
[٢] - الزمر ٢٣: ٣٩.
[٣] - راجع ما كتبه سيد قطب بهذا الصدد في كتابه: التصوير الفنّي في القرآن، ص ١١٢ فما بعد.