التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١٥ - موهم الاختلاف والتناقض زيادة على ماسبق
قوله: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ»؟[١] أيّ رابطة بين الصبور الشكور وجريان الفلك في البحور؟
لكن لم يُرِد اللّه في هذا الموضع معنى الصبر والشكر خاصّةً، وإنّما أراد: إنّ في ذلك لآيات لكلّ مؤمن، والصبر والشكر أفضل ما في المؤمن من خلال الخير، فذكره اللّه عزّوجلّ في هذا الموضع بأفضل صفاته. وقال في موضعٍ آخر: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ».[٢] وفي موضعٍ آخر: «لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ».[٣] و «لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ».[٤] و «إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ».[٥] يعني المؤمنين.
(فالمعنيّ بهذه الآيات وبهذه التعابير هم المؤمنون محضا، وإنّما جاءت الأوصاف الخاصّة بهم عناوين مشيرة إلى ذاك المعنون بالذات، من غير خصوصية لذات الأوصاف).
ومثله قوله تعالى في قصّة سبأ: «وَ مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ».[٦] وهذا كما تقول: إنّ في ذلك لآية لكلّ موحّدٍ مصلٍّ، ولكلّ فاضلٍ تقيّ، وإنّما تريد المسلمين حقّا.[٧]
والخلاصة: أنّ هناك فرقا بين أخذ الأوصاف عناوين مشيرة إلى الموضوع الأصل فلا رابط بينها و بين الحكم المترتّب عليها في القضيّة، وبين أخذها مواضيع هي علل وأسباب لثبوت تلك الأحكام المترتّبة. والآيات المنوّه عنها هي من قبيل النوع الأوّل، لتكون الأوصاف خواصّ لازمة للموضوع من غير أن يكون لها دخل في موضوعية الموضوع، الأمر الذي حقّقه علماء الاصول.
*** وقوله: «كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ».[٨] فإنّما يريد بالكفّار هاهنا الزرّاع، واحدهم كافر. وإنّما سمّي كافرا لأنّه إذا ألقى البذر في الأرض كفره، أي غطّاه وستره، وكلّ شيءٍ
[١] - لقمان ٣١: ٣١.
[٢] - الحِجر ٧٧: ١٥.
[٣] - النحل ٦٩: ١٦.
[٤] - النحل ٦٧: ١٦.
[٥] - الرعد ١٩: ١٣.
[٦] - سبأ ١٩: ٣٤. وانظر: إبراهيم ٥: ١٤ والشورى ٣٣: ٤٢.
[٧] - راجع: تأويل مشكل القرآن، ص ٧٥.
[٨] - الحديد ٢٠: ٥٧.