التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٨ - «و أسروا النجوى الذين ظلموا»
هذا، والقرآن لم يتجاوز حدود أساليب العرب في استعمال اللغات، فلاموضع للأخذ عليه بسبب الأخذ برخص اللغة الأصيلة والجري على مناهجها القويمة.
ولعلّه من التعسّف مازعمه البعض من كونه جمعا لإلياسيّ- بياء النسبة المشدّدة- ثمّ خفّف بحذف ياء النسبة وجمع بالياء والنون، كما قالوا: الأشعرون، يراد: الأشعريّون.[١]
«وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا»[٢]
تبتدئ سورة الأنبياء المكّيّة بمطلع قويّ الضَرَبات، يَهُزُّ القلوبَ هَزّا وهو يُلفتها إلى الخطر القريب المُحدق وهي عنه غافلة لاهية: «اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَ هُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ... لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ...»[٣]
ويزيدهم غفلةً: أنّهم أسرّوا النجوى- أي تواطَأوا فيما بينهم تجاه مقابلة الحقّ الذي أتاهم ليصدّوا عنه. وكانت النجوى التشكيك في رسالة اللّه على يد بشرٍ مثلهم: «هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ...».[٤]
وهل كانت التوطئة الخبيثة إلّا من قبل الملأ الذين سطوا في البلاد وأظهروا الفساد بين العباد. ومن ثَمَّ جاءت كلمة «الَّذِينَ ظَلَمُوا» اختصاصية، فاصلة بين الفاعل- لغرض تبيينه- والمفعول به. وهو أبلغُ تفضيعا بشأنهم ممّا لو أسند الفعل إليهم رأسا.
والمعنى: وأسرّ الغافلون النجوى- وأخصّ منهم الذين ظلموا- ... هؤلاء، أشدّ وطئا من سائر الغَفَلَة الذين يشكّلون عامّة المشركين آنذاك.
وقد ذكر النحاة: أنّ محلّ «الَّذِينَ ظَلَمُوا» إمّا نصب على إرادة الاختصاص، أو رفع على الإبدال من ضمير الجمع. قال الزمخشري: إشعارا بأنّهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسرّوا به.[٥] وهكذا ذكر العلّامة البلاغي بشأن الآية.[٦]
[١] - إملاء مامنّ به الرحمان، ج ٢، ص ٢٠٧.
[٢] - الأنبياء ٣: ٢١.
[٣] - الأنبياء ١: ٢١ و ٢.
[٤] - الأنبياء ٣: ٢١.
[٥] - الكشّاف، ج ٣، ص ١٠٢.
[٦] - الهدى إلى دين المصطفى، ج ١، ص ٣٨٤.