التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٨ - ميزات القصة في القرآن
الإنسان، أو يتمّناها في حياته.
ذلك لأنّ القرآن الكريم يريد من ذكر القصّة وأحداثها، إعادة النظر في التأريخ الإنساني والقضايا الواقعيّة التي جرّبتها البشرية في حياتها، والتي عاشتها الامم والرسالات الإلهيّة السالفة، والتي تبيّنت محاسنها عن مساوئها، وليؤخذ منها الاعتبار في الحاضر المعاش، فلا يجرّب ماجرّبته الآباء وحلّت بهم الندامة من قبل.
أمّا إذا انفصلت القصّة عن هذا الواقع، وكانت مجرّد تسلية وسرد أحداث التاريخ الماضي ومن غير نظر الاعتبار بها، فهذا أشبه بكتب الأساطير منها بكتب التربية والأخلاق.
والإنسان في مسيرته التكامليّة، بحاجة إلى أن ينطلق مع الواقع نحو الطموحات والكمالات، وبدون ذلك (بلا درس واقعه في الماضي والحال) سوف ينفصل هذا الإنسان عن واقعه الراهن، فيضيع في متاهات الآمال والتمنّيات، وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحالة في الإنسان عندما تحدّث عن اليهود: «وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ».[١]
وعندئذ (عندما خاض الإنسان في أمانيه من غير ملاحظه واقعه) لايصل الإنسان إلى أهدافه وآماله العليا. لأنّ من لاينطلق في اتجاه المسير من البداية فلا يبلغ النهاية.
ومن هنا نجد القرآن الكريم يحاول أن يعالج من خلال القصّة، الواقع الّذي كان يعيشه المسلمون في زمن النبيّ صلى الله عليه و آله فيذكر ما يتطابق من الأحداث مع هذا الواقع من ناحية، كما يعالج الواقع الذي سوف تعيشه الأجيال والعصور الإنسانيّة المستقبليّة من ناحية اخرى.
وهذا هو الذي يفسّر لنا ما ورد عن أئمّة أهل البيت عليهم السلام من قولهم: «إنّ القرآن يجري كما تجري الشمس والقمر، كلّما جاء منه شيء وقع».[٢] وأنّ القرآن حيّ مع الأبد، لايموت
[١] - البقرة ٧٨: ٢.
[٢] - تفسير العياشي، ج ١، ص ١١، رقم ٥.