التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٠ - متى وقع التقدير؟ وهل لايتنافى التقدير مع الاختيار؟
وهي السنن الساطية على الكون. «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ».[١]
وهذه السنن ليست حتمية، في حين كونها هي الغالبة، حيث احتمال مفاجئة امور طارئة من خارج مدارات السنن فتُغَيِّر من اتجاهاتها أحيانا. الأمر الذي لايعلمه إلّا اللّه وكان مقدّرا أي معلوما لديه تعالى في الأزل، خافيا عن أعين الخلائق إلّا من علّمه اللّه.
وهذا هو التقدير المكنون في اللوح المحفوظ. «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ».[٢]
فالأجل الأوّل هو الذي تقتضيه مجاري الأُمور الطبيعية حسب السنن الجارية في الخلق، وهذا ليس بحتم. أمّا الأجل الآخر الحتمي فهو الذي علمه اللّه في الأزل حسب الأسباب الطارئة الخافية عن غيره تعالى. «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ».[٣]
روى الصدوق بإسناده إلى الإمام الصادق عليه السلام قال: وهل يمحو اللّه إلّا ما كان؟ وهل يُثبت إلّا ما لم يكن؟[٤]
فهناك تغيير وتبديل على خلاف مجاري الامور، لا يعلمه إلّا اللّه علما كائنا في الأزل.
قال الإمام الباقر عليه السلام: من الأُمور أُمور موقوفة عند اللّه، يقدّم منها ما يشاء ويؤخّر منها ما يشاء ويثبت منها ما يشاء.[٥] أي: من الأُمور ما هيموقوفة- في جريانها حسب العادة الطبيعيّة- على شرائط، إن وُجدت جرت، وإلّا تخلّفت. فحصول هذه الشرائط في وقتها أو عدم حصولها شيء لا يعلمه إلّا اللّه.
فالعلم بالتقادير الحتمية الأزلية خاصّ باللّه تعالى. أمّا غيره تعالى من الملائكة المقرّبين والمدبّرات أمرا وكذا المصطفون من عباد اللّه المكرمين فلا علم لهم بسوى
[١] - القمر ٤٩: ٥٤.
[٢] - الأنعام ٢: ٦.
[٣] - الرعد ٣٨: ١٣ و ٣٩.
[٤] - كتاب التوحيد للصدوق، ص ٣٣٣، رقم ٤.
[٥] - بحار الأنوار، ج ٤، ص ١١٦- ١١٧، رقم ٤٤.