التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠١ - يا اخت هارون
موسى. وممّا يزيد هذا الأمر وضوحا وجلاءً ماورد في سورة التحريم ونصّه: «وَ مَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ».[١] وفي سورة آل عمران: «إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً».[٢] فلا شكّ أنّ محمدا توهّم أنّ مريم أُخت هارون التي كانت أيضا ابنة عمران (عمرام) هي مريم نفسها التي صارت أُمّ يسوع (المسيح عيسى) بعد ذلك بنحو ألف وخمسمأة وسبعين سنة. وهذا خطأ جسيم، لأنّه لم يقل أحد من اليهود أنّ مريم اخت هارون وابنة عمران بقيت على قيد الحياة إلى أيّام المسيح.[٣]
هكذا وهم تسدال ومن حذا حذوه من المبشّرين! لكنّه وهم فاحش، إذ كيف يمكن أن يخفى مثل هذا الفصل البيّن بين موسى والمسيح عليهم االسلام على العرب العائشين في جوار اليهود وبين أظهرهم طيلة قرون، وكذا مراودتهم مع نصارى نجران والأحباش، فضلًا عن نبيّ الإسلام النابه البصير، ليتصوّر من مريم امّ المسيح هي مريم أُخت موسى وهارون!
إذ من يعرف أنّ لموسى وهارون أُختا اسمها مريم، لايمكنه الجهل بهذا الفصل الزمني بين مريمين!
ثُمَّ كيف يسكت اليهود- وهم ألدّ أعداء الإسلام- على هذا الخطأ التاريخي الفاحش ولم يأخذوه شنعة على القرآن والإسلام؟
هذا وقد وقع التساؤل عن هذا التشابه على عهد الرسول صلى الله عليه و آله على مانقله السيّد رضيّ الدين ابن طاووس عن كتاب «غريب القرآن» لعبد الرحمان بنمحمد الأزدي الكوفي (من كبار رجال القرن الثالث) بإسناده إلى المغيرة بن شعبة، قال: بعثني رسولاللّه صلى الله عليه و آله إلى أهل نجران، فقالوا: أرأيت ماتقرأون «يا أُخْتَ هارُونَ»، وهارون أخو موسى، بينه وبين عيسى المسيح بكذا وكذا؟ قال: فرجعت وذكرت ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه و آله فقال: ألا أخبرتهم (أوقلت لهم) أنّهم كانوا يسمّون بالأنبياء والصالحين قبلهم![٤]
[١] - التحريم ١٢: ٦٦.
[٢] - آل عمران ٣٥: ٣.
[٣] - مصادر الإسلام، ص ١٠٢- ١٠٤؛ والفنّ القصصي ص ٥٧- ٥٨.
[٤] - سعد السعود، ص ٢٢١.