التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٥٩ - ٢ -«فوقكم سبع طرائق»
مسائل ودلائل
هنا عدة أسئلة تستدعيالوقوف لديها:
١- «كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ»
قال تعالى: «وَ هُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ».[١]
وقال: «لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ».[٢]
هلّا كان التعبير بالفَلَك متابعة لما حسبه بطلميوس؟
قلت: لا، لأنّ الفَلَك لفظة عربية قديمة يُراد بها الشيء المستدير، ومن الشيء مستداره. قال ابن فارس: الفاء واللام والكاف أصل صحيح[٣] يدلّ على استدارةٍ في شيء.
من ذلك «فَلْكَةُ المِغْزَل» لاستدارتها. ولذلك قيل: فَلَكَ ثديُ المرأة، إذا استدار. ومن هذا القياس: فَلَكُ السماء.[٤]
إذن، فكما أنّ السماء مستديرة حتّى في شكلها الظاهري، فكلّ ما يسبح في فضائها يسير في مسلك مستدير. وبذلك صحّت استعارة هذا اللفظ.
والدليل على أنّها استعارة هو استعمال اللفظة بشأن الليل والنهار أيضا. أي أنّ لكلّ ظاهرة من الظواهر الكونية مجراها الخاصّ وفي نظام رتيب لاتجور ولاتحور.
٢- «فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ»
قال تعالى: «وَ لَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَ ما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ».[٥]
أو هل كانت الطرائق هنا هي مدارات الأفلاك البطلميوسية؟
قلت: كلّا، إنّها الطرائق بمعنى مجاري الامور في التدبير والتقدير والتي هي محلّها
[١] - الأنبياء ٣٣: ٢١.
[٢] - يس ٤٠: ٣٦.
[٣] - مقصوده من الأصل: كونها ذات أصالة عربية وليس مستعارة من لغةٍ أجنبية.
[٤] - معجم مقاييس اللغة، ج ٤، ص ٤٥٢- ٤٥٣.
[٥] - المؤمنون ١٧: ٢٣.