التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٤ - حديث ذي القرنين
حديث ذي القرنين
وهكذا حديث ذيالقرنين، الرجل الذي جاب البلاد وطاف المعمورة فأتى مطلع الشمس (شرقيّ الأرض) ومغربها (غربي الأرض) حديث قديم قد يرجع تاريخه إلى عهد بعيد. غير أنّ الذي حقّقه بعض أعلام العصر، الاستاذ أبو الكلام آزاد الهندي، مستمدّا من نصوص التوراة (العهد القديم) هو احتمال أن يكون هو الملك الفارسي «كورُش» الكبير (٥٥٧- ٥٢٨ ق. م) الذي دانت له البلاد شرقا وغربا. استولى على بلاد ماداى وآسيا الصغرى وبابل. وأطلق سراح اليهودمن أسر البابليين وأذن لهم بالعودة إلى فلسطين وأعانهم على إحياء القدس من جديد. ومن ثمّ جاء ذكره في أسفار التوراة بإعظام وتبجيل.
وكانت تسميته بذيالقرنين تعبيرا عن رؤيا رآها دانيال النبيّ عندما كانوا في الأسر،[١] وكانت الرؤيا تبشّر بخلاصهم على يد مَلِكٍ ذي سلطان قاهر يسطو على بلاد ميديا وفارس.
جاء في الرؤيا: «في السَّنة الثالثة من مُلك «بيلشاصَّر» البابلي، ظهرت لي أنا «دانيال» رؤيا ... وكان في رؤياي، وأنا في شوشان القصر الذي في ولاية عيلام. ورأيت في الرؤيا وأنا عند نهر أولاي، فرفعت عَيْنَيَّ ورأيت وإذا بكبش واقف عند النهر وله قرنان، والقرنان عاليان ... رأيت الكبش ينطح غربا وشمالًا وجنوبا، فلم يقف حَيَوان قُدّامه ولا مُنقذ من يده، وفَعَل كمرضاته وعَظُم ...
ثمّ إنّه طلب من اللّه أن يبعث له من يعبّر له الرؤيا، وإذا بشبح إنسان واقف قُبالته، وسمع صوتا يقول: يا جبرائيل، فهِّم هذا الرجل الرؤيا ... فجعل جبرائيل يفسّر الرؤيا في تفصيلٍ حتّى أتى على ذكر الكبش والقرنين، فقال: أمّا الكبش الذي رَأَيْتَه ذا القرنين، فهو
[١] - ولعلّ دانيال هو قصّ على كورش رؤياه، فتبشّر كورش بها وأخذها شعارا في ملكه تبرّكا بذلك وتقوية لسلطانه. ومن ثَمَّ كان قد أعجبه أن ينحت صورته على الحجر ويحمل على رأسه تاجا ذاقرنين يسطو بهما على الشمال والجنوب جميعا. وهكذا نجد تمثال كورش الذي عثر عليه في مشهد مرغاب وعلى رأسه التاج الشهير بالقرنين.