التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٠٦ - عبس وتولى
وصفه: «وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ».[١] وقال: «وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ».[٢] فالظاهر أنّ قوله «عَبَسَ وَ تَوَلَّى»[٣] المراد به غيره.[٤]
وهكذا ورد قوله تعالى: «وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ».[٥] وقوله: «وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ».[٦] وغيرهما من آيات مكّية جاء الدستور فيها بالخفض واللين والرأفة مع المؤمنين، فكيف ياترى يتغافل النبيّ عن خُلُقٍ كريم هي وظيفته بالذات، ولا سيّما مع السابقين الأوّلين من المؤمنين، وبالأخصّ مع من ينتمي إلى زوجه الوفيّة خديجة الكبرى امّ المؤمنين.[٧]
وقال الشيخ أبوجعفر الطوسي: ما ذكروه سببا لنزول الآيات إنّما هو قول لفيف من المفسّرين وأهل الحشو في الحديث، و هو فاسد، لأنّ النبيّ صلى الله عليه و آله قد أجلّ اللّهُ قدره عن هذه الصفات، وكيف يصفه بالعُبُوس والتقطيب وقد وصفه بالخُلُق العظيم واللين وأنّه ليس بفظّ غليظ القلب؟! و كيف يُعرض النبيّ عن مسلم ثابت على إيمانه جاء ليتعلّم منه، وقد قال تعالى: «وَ لا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ»!؟[٨] ومَن عرف النبيّ وحُسن أخلاقه وماخصّه اللّه تعالى به من مكارم الأخلاق وحسن الصحبة، حتّى قيل: إنّه لم يكن يصافح أحدا قطّ فينزع يده من يده حتّى يكون ذلك هو الذي ينزع يده. فمن هذه صفته كيف يقطب وجهه في وجه أعمى جاء يطلب زيادة الإيمان. على أنّ الأنبياء عليهم السلام منزّهون عن مثل هذه الأخلاق وعمّا دونها، لما في ذلك من التنفير عن قبول دعوتهم والإصغاء إلى كلامهم. ولايُجوّز مثل هذا على الأنبياء مَن عرف مقدارهم وتبيّن نعتهم.
نعم، قال قوم: إنّ هذه الآيات نزلت في رجلٍ من بنى اميّة كان واقفا إلى جنب النبي، فلمّا أقبل ابن امّ مكتوم تقذّر وجمع نفسه وعَبَس وَتَولّى. فحكى اللّه ذلك وأنكره معاتبا
[١] - القلم ٤: ٦٨.
[٢] - آل عمران ١٥٩: ٣.
[٣] - عَبَس ١: ٨٠.
[٤] - تنزيه الأنبياء للسيّد المرتضى، ص ١١٨- ١١٩ بتلخيص يسير.
[٥] - الحِجر ٨٨: ١٥. مكّية، رقم نزولها: ٥٤.
[٦] - الشعراء ٢١٥: ٢٦، مكّية، رقم نزولها: ٤٧.
[٧] - تقدّم قريبا أنّه كان ابنخال خديجة رضوان اللّه عليها.
[٨] - الأنعام ٥٢: ٦.