التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩٤ - تعدد زوجات النبي
منهما وعادات ورثاها من أصل نشأتهما. وربّما كانت تفخر عليه أو تحتقره حسب فطرتها فلم يكن زيد يتحمّلها واشتكى إلى النبيّ غير مرّة من سوء معاملتها إيّاه واستأذنه غير مرّة في تطليقها، فكان النبيّ يجيبه: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ».[١] ولعلّه أيضا كان يُسيء إليها في معاشرته معها غير المتناسبة لشأنها، الأمر الذي يشي إليه الأمر بتقوى اللّه. لكنّ زيدا لم يطق الصبر معها حيث بعد الشقّة بين خُلقهما فطلّقها.
وكان النبيّ صلى الله عليه و آله يعلم بهذه العاقبة، وأنّ وراءها حكمة اخرى يجب تنفيذها لإبطال عادة جاهلية اخرى كان عليها العرب. كانوا يدينون بشأن الأدعياء أنّ لهم اتّصالًا بالأنساب من إعطائهم جميع حقوق الأبناء وإجراء أحكامهم عليهم حتّى في الميراث وحرمة النسب. أمّا الإسلام فلم يكن يرى للمتبنّي واللصيق سوى حقّ المولى والأخ في الدين لا أكثر «وَ ما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَ اللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَ مَوالِيكُمْ».[٢]
فهنا يأتي دور إبطال هذه العادهالجاهلية إبطالًا عمليّا، والمترشّح لهذه التفدية أو التضحية هو نفس النبيّ الكريم عليه وعلى آله أفضل صلوات المصلّين، إذ لم يكن من العرب مَن يستطيع أن يقوم بهذه التضحية وينقض بها تقاليد الأجيال السالفة! سوى محمدٍ نفسه الذي كان على قوّة عزيمة وعميق إدراك لحكمة اللّه.
هذا ما كان النبيّ يعرفه بقوّة فطنته، وأن سيؤل إلى ذلك، ولكن كان كلّما يراجعه زيد بشأن تطليق زينب يوصيه بالإمساك بزوجه، وهو يدري في قرارة نفسه أنّه يطلّقها لا محالة، وأن سوف يؤمر بالتزوّج منها، وكان يخفي ذلك في نفسه وما كان يبديه «وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَ اتَّقِ اللَّهَ. وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ» أي سوف يبدو أنّ وراء هذه التطليقة حكمة اخرى يجب إجراؤها. «وَ تَخْشَى النَّاسَ» في إبداء ما يكنّه صدرك من معرفة حكمة اللّه. «وَ اللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ
[١] - الأحزاب ٣٧: ٣٣.
[٢] - الأحزاب ٤: ٣٣ و ٥.