التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣١ - مطاعن رد عليها قطب الدين الراوندي
تقرير أنّ الامّة تعدّ متكافلة في شؤونها العامّة، وأنّ مايفعله بعض الفرق أو الجماعات أو الزعماء يكون له تأثير في جملتها، وأنّ المُنكَر الذي يفعله بعضهم إذا لم ينكر عليه جمهورهم ويزيلوه يؤاخذون به كلّهم. قال تعالى: «وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً».[١] وهذا من سنن الاجتماع البشري أنّ المصائب والرزايا التي تحلّ بالامم بفشوّ المفاسد والرذائل فيها لاتختصّ الذين تلبّسوا بتلك المفاسد وحدهم، كما وأنّ الأوبئة التي تحدث بكثرة الأقذار في الشعب وغير ذلك من الإسراف في الشهوات تكون عامّةً أيضا.[٢]
*** قال الراوندي: وسألوا عن قوله تعالى: «فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ».[٣] قالوا: كيف جمع اللّه بينه وبين قوله: «لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ»؟[٤] وهذا خلاف الأوّل، لأنّه قال أوّلًا: «نبذناه» مطلقا، ثمّ قال: «لولا أن تداركه لنُبذ بالعراء» فجعله شرطا!
الجواب: معنى ذلك: لولا أنّا رحمناه بإجابة دعائه لنبذناه حين نبذناه بالعراء مذموما ... فالآية الثانية لاتنفي النبذ بل تنفي النبذ في حالة كونه مذموما. فلا تنافي بين الآيتين.
قال: وسألوا عن قوله تعالى: «وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ».[٥] في حين أنّ اسم أبيه في التوراة تارح. قال: والصحيح أنّ آزر ماكان أبا لإبراهيم.
وقد ذكرنا في موضعه أنّ آزر كان عمّا له، ويقال: إنّه تزوّج بامّ إبراهيم بعد موت أبيه تارح، فكان إبراهيم ربيبه وابن أخيه. واستعمال الأب في مثل هذا متعارف.
قال: وسألوا عن قوله: «وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً». ثمّ قال:
«قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا».[٦] وهذا يدلّ على أنّ غيره لايعلم بمدّة لبثهم، في حين أنّه أعْلَمَنا
[١] - الأنفال ٢٥: ٨.
[٢] - تفسير المنار، ج ١٠، ص ٣٢٦- ٣٢٧.
[٣] - الصافّات ١٤٥: ٣٧.
[٤] - القلم ٤٩: ٦٨.
[٥] - الأنعام ٧٤: ٦.
[٦] - الكهف ٢٥: ١٨ و ٢٦.