التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٧ - محاولات فاشلة
الاصول ومع الحفاظ عليها جذريّا فحسب!
قلت: أمّا المزعومة الاولى فهي مخالفة صريحة لنصّ الكتاب العزيز. حيث تبتدئ آيات المواريث بلفظة الإيصاء، وتنتهي بما يجعل من هذا الإيصاء فرضا من اللّه لامجال للتخلّف عنه «وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ. تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَ لَهُ عَذابٌ مُهِينٌ».[١]
يعني: أنّ هذه الوصيّة من اللّه نافذة لا مجال للتخلّف عنها، لأنّها تبيين لحدود اللّه التي من تعدّاها فسوف يُدخله نارا وله عذابٌ مُهين. والعذاب المهين هنا إشارة إلى أنّ المتجاوز لحريم الشريعة قد أطاح بكرامة نفسه وسقط حيث مستوى المهانة الفظيعة.
أفبعد هذا التأكيد على الأخذ بما أوصى اللّه بشأن الميراث يتجرّأ ذو مسكة على التلاعب بنصّ الكتاب، اللّهمّ إلّا إذا فقد وعيه.
ثم الذي يفضح من موضع هذه المزعومة، أنّ لفظة الإيصاء بتصاريفها كلّها جاءت في القرآن بمعنى الإلزام والإيجاب.[٢] قال ابنمنظور: وقوله عزّوجلّ: «يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ» معناه: يَفْرِضُ عليكم، لأنّ الوصيّة من اللّه إنّما هي فَرْضٌ. والدليل على ذلك قوله تعالى: «قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أن لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَ إِيَّاهُمْ وَ لا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ»[٣] وهذا من الفرض المحكم علينا.[٤]
وأمّا المزعومة الأخيرة فهي بمكان من الوهن، بعد أن كان الأصل في التشريع هي الأبديّة والشمول، أخذا بعموم الخطاب وشمول إطلاقه لجميع الأجيال والأحوال والأزمان، وهي قاعدة اصولية مطّردة. وإلى ذلك ينظر قوله عليه السلام: «حلال محمدٍ حلالٌ أبدا
[١] - النساء ١٢: ٤- ١٤.
[٢] - راجع: البقرة: ١٣٢، الشورى: ١٣، الأنعام: ١٥١- ١٥٣، النساء: ١٣١، الأحقاف: ١٥، وغيرها.
[٣] - الأنعام ١٥١: ٦.
[٤] - لسان العرب لابن منظور، ج ١٥، ص ٣٩٥.