التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٩ - الالتفات وتنوع الكلام
ثلاثة قروء
قال تعالى: «وَ الْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ».[١]
قال الزمخشري: فإن قلت: لم جاء المميّز على جمع الكثرة دون القلّة التي هي الأقراء؟ قلت: يتّسعون في ذلك فيستعملون كلّ واحد من الجمعين مكان الآخر، لاشتراكهما في الجمعيّة. ألا ترى إلى قوله «بأنفسهنّ» وماهي إلّا نفوس كثيرة. ولعلّ القروء كانت أكثر استعمالًا في جمع قرء من الأقراء، فأُوثر عليه، تنزيلًا لقليل الاستعمال منزلة المهمل، فيكون مثل قولهم: ثلاثة شسوع.[٢]
الالتفات وتنوّع الكلام
ممّا اخذ على القرآن: عدم نسجه على منوالٍ واحد، فهناك ظاهرة الالتفات وتنوّع الخطاب والانتقال والرجوع والقطع والوصل ... وإلى أمثال ذلك من التنقّل الكلامي. زعموا أنّه قد يشوّش على القارئ فهم المعاني![٣]
لكنّه جهل بأساليب البديع من كلام العرب، وماذاك الالتفات وهذا التنقّل في الخطاب إلّا تطرية في الكلام تزيد في نشاط السامعين وتسترعي انتباههم لفهم مناحي الكلام أكثر وأنشط.
والشيء الذي أغفلوه أنّهم حسبوا من صياغة القرآن أنّها صياغة كتاب، في حين أنّها صياغة خطاب.
إنّ لصياغة الكتاب مميّزات تختلف عن مميّزات صياغة الخطاب. فقضيّة الجري على منوالٍ واحد هي خاصّة بصياغة الكتاب. أمّا التنوّع والتنقّل والالتفات فهي من خاصّة صياغة الخطاب، سواء أكان نظما أم نثرا، فلا يتقيّد الناطق بالاطّراد في سياقٍ واحد، بل له الانتقال والتحوّل أثناء الكلام حسبما ساقته دلائل المقام.
[١] - البقرة ٢٢٨: ٢.
[٢] - الكشّاف، ج ١، ص ٢٧٢.
[٣] - هاشم العربي محلق ترجمة كتاب الإسلام، ص ٤٢٣.