التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٥ - سحرة بابل
وَ لا يَنْفَعُهُمْ وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ».[١]
لقد تركوا ما أنزل اللّه ونبذوه وراء ظهورهم، وراحوا يتتبّعون ما كان يقصّه الشياطين- والشيطان وصفٌ لكلّ خبيث سيّئ السريرة- على عهد سليمان وأساليب تضليلهم للناس من دعاوٍ مكذوبة عن سليمان حيث كانوا يقولون إنّه كان ساحرا وإنّه سخّر ما سخّر بسحره. والقرآن ينفي عنه ذلك «وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ» باستعمال السحر الذي هو في حدّ الكفر باللّه العظيم. «وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ (خبثاء الجنّ والإنس) كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ» (طرق الإضلال وأساليب التضليل).
ثمّ ينفي أنّ السحر مُنزل من عند اللّه على الملَكين: هاروت وماروت، اللذين كان مقرّهما بابل. ويبدو أنّه كانت هناك قصّة معروفة عنهما وكان اليهود أو الشياطين يدّعون أنّهما كانا يَعْرِفان السحر ويعلّمانه للناس. فنفى القرآن هذه الفرية، وبيّن الحقيقة، وهي أنّ هذين الملَكين كانا هناك فتنة وابتلاء للناس، كانا يقولان لكلّ من يأتيهما طالبا منهما معرفة طريق التخلّص من براثن الشياطين السحرة: لا تكفر باستخدام تلك الأساليب الماكرة. وقد كان بعض الناس يصرّ على تعلّم السحر لغرض خبيث على الرغم من تحذيره وتبصيره، «فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ». وهنا يبادر القرآن فيقرّر كلّية التصوّر الإسلامي الأساسية، وهي أنّه لايقع شيء في هذا الوجود إلّا بإذن اللّه ورعاية مصلحته وحكمته. فبإذن اللّه تفعل الأسباب فعلها وتنشأ آثارها وتحقّق نتائجها وإن كانت عاقبة السوء تعود على الزائغين الذين ينحرفون عن الطريق السوي والصراط المستقيم الذي رسمه لهم ربّ العالمين.
ثمّ يقرّر القرآن حقيقة ما يتعلّمونه بُغية إيقاع الشرّ بالآخرين، إنّه شرّ عليهم وليس خيرا لهم «وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ». وربّما يكفي أن يكون هذا الشرّ هو الكفر والخسران في الآخرة «وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ». فمن تعلّم شرّا
[١] - البقرة ١٠٢: ٢.