التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧ - ميزات الإنسان الفطرية
هائلة يملكها الإنسان في جبلّته الاولى والتي أهّلته للاستيلاء على طاقات كامنة في طبيعة الوجود وتسخيرها حيث يشاء.
إنّها القدرة على الإرادة والتصميم، القدرة على التفكير والتدبير، القدرة على الإبداع والتكوين. القدرة على الاكتشاف والتسخير. إنّها الجرأة على حمل هذا العبء الخطير.
قال سيّد قطب: إنّها الإرادة والإدراك والمحاولة وحمل التبعة، هي هي ميزة هذا الإنسان على كثير من خلق اللّه. وهي هي مناط التكريم الذي أعلنه اللّه في الملأ الأعلى وهو يُسجِد الملائكة لآدم. وأعلنه في قرآنه الباقي وهو يقول: «وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ».[١] فليعرف الإنسان مناط تكريمه عند اللّه، ولينهض بالأمانة التي اختارها. والتي عُرضت على السماوات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.[٢]
إنّها أمانة ضخمة حملها هذا المخلوق الصغير الحجم الكبير القُوى القويّ العزم. ومن ثَمَّ كان ظلوما لنفسه حيث لم ينهض بأداء هذه الأمانة كما حملها، جهولًا لطاقاته هذه الهائلة المودعة في وجوده وهو بَعْدُ لايعرفها.
وهكذا علّمه الأسماء: القدرة على معرفة الأشياء بذواتها وخاصّيّاتها وآثارها الطبيعية العاملة في تطوير الحياة، والتي وقعت رهن إرادة الإنسان ليسخّرها في مآربه حيث يشاء، وبذلك يتقدّم العلم بحشده وجموعه في سبيل عمارة الأرض وازدهار معالمها، حيث أراده اللّه من هذا الإنسان «هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها».[٣]
وبذلك أصبح هذا الإنسان- بهذه الميزات- خليفة اللّه في الأرض،[٤] حيث يتصرّف فيها وفق إرادته وطاقاته المودعة فيه، ويعمل في عمارة الأرض وتطوير الحياة.
وإسجاد الملائكة له في عرصة الوجود، كناية عن إخضاع القوى النورانية برمّتها للإنسان، تعمل وفق إرادته الخاصّة من غير ما تخلّف، في مقابلة القوى الظلمانية (إبليس وجنوده) تعمل في معاكسة مصالحه إلّا من عصمهُ اللّه من شرور الشياطين «إِنَّ عِبادِي
[١] - الإسراء ٧٠: ١٧.
[٢] - في ظلال القرآن، ج ٢٢، ص ٤٧، المجلد ٦، ص ٦١٨.
[٣] - هود ٦١: ١١.
[٤] - راجع: البقرة ٣٠: ٢.