التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٩ - حديث ذي القرنين
سَماءُ أَقْلِعِي ...».[١] «فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ».[٢]
فلا غرابة بعدئذٍ أن يأتي بشأن الإيحاء- نفسيّا- إلى عبد من عباد اللّه الصالحين:
«قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَ إِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً. قالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ...
وَ أَمَّا مَنْ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وَ سَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً».[٣]
و هذا عندما سار كورش متوجّها في فتوحاته نحو الغرب لتسخير بلاد ليديا،[٤] فوقع مَلكها «كرزوس» أسيرا في يد كورش، وكان قد تآمر ضدّه مع سائر الدول للقضاء على امبراطوريّة فارس، ولكنّه فشل ووقعت بلاده طعمة رخيصة للملك الفارسي، ومن ثَمَّ حاول إحراقه بالنار، لكنّه سامحه وعفى عنه، حسب دأبه مع سائر امراء البلاد الذين بغوا عليه وأصفح عنهم.
وبذلك نرى الآيات لعلّها تتصادق مع ما سجّله التاريخ بشأن كورش. فقد قويت شوكته بعد أن وحّد فارس و ماديا بعد الاستيلاء على «إكباتان» (همدان- اليوم). فذهب متوجّها نحو الغرب لإخضاع مناوئيه هناك (ليديا). الأمر الذي يتصادق مع قوله تعالى:
«إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ (بتوحيد بلاد فارس وماديا) وَ آتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً (أي علما بطرق الفتح و الظفر على الخُصوُم)[٥] فَأَتْبَعَ سَبَباً حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ (هي الضفة الغربيّة من آسيا الصغرى، حيث بلاد ليديا، تركيا الحاليّة) وَجَدَها (أي الشمس) تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ» حيث بحر إيجه ويسمّى بحر المغرب، وبحر مرمرة وعلى امتدادهما البحر الأسود، وكلّها تضرب بالسواد، كأنّه الوحل. و الحمأة: الطين الأسود. وكانت الشمس تغرب على آفاق تتاخم تلك البحار الضاربة لونها إلى السواد.
[١] - هود ٤٤: ١١.
[٢] - فصّلت ١١: ٤١.
[٣] - الكهف ٨٦: ١٨- ٨٨.
[٤] - مملكة قديمة غربيّ آسيا الصغرى ممّا يلي بحر إيجه. كانت قاعدة ملكها مدينة« سارد» الزاهية بفخامتها يومذاك.
[٥] - عن قتادة والضحّاك: علما يتسبّب به إلى تحقيق إرادته و بلوغ مآربه. و عن الجبائي: كلّ شيء يستعين به الملوك على فتح البلاد والظفر على الأعداء. مجمع البيان، ج ٦، ص ٤٩٠.