التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢ - إبراهيم، لم يكذب قط
كَبِيرُهُمْ هذا».[١] والثالثة بشأن سارة: أنّها اخته.[٢]
وفي حديث الشفاعة برواية أبي هريرة أيضا: أنّ أهل الموقف يأتون الأنبياء واحدا بعد واحد يستشفعون منهم، حتّى يأتوا إبراهيم فيأبى معتذرا: إنّي كذبت ثلاث كذبات ولستُ هناكم.[٣]
وقد وصفت لجنة مشايخ الأزهر هذه الروايات بالصحاح، وعارضت الاستاذ عبدالوهاب النجّار استنكاره لهذه المفتريات.[٤]
قلت: وحاشا إبراهيم الخليل- الداعي إلى الحنيفية البيضاء- أن ينطق بكذب، وإنّما كُذِبَ عليه بلاريب. والرواية عامّية الإسناد لا اعتداد بها في هكذا مجالات.
ولقد أجاد الإمام الرازي حيث قال: فلأن يُضاف الكذب إلى رواة هذا الخبر أولى من أن يُضاف إلى الأنبياء، وأخذ في تأويل الموارد الثلاثة، وأضافَ قائلًا: وإذا أمكن حمل الكلام على ظاهره من غير نسبة الكذب إلى الأنبياء فحينئذٍ لايحكم بنسبة الكذب إليهم إلّا زنديق.[٥]
أمّا قوله: «إِنِّي سَقِيمٌ» فلعلّه أراد وهن حالته الجسدية ممّا كان يرى قومه على عَمَه الغباء، وقد أحسّ ألما شديدا انتاب قلبه المرهف تجاه تلكمُ الجهالات العارمة.
وأمّا قوله «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» فقولة قالها مستهزئا بهم مستخفّا عقليّتهم الكاسدة.
والكذب لايكون إلّا لغرض التمويه. أمّا إذا كان السامعون عارفين بواقع الأمر وأنّ إبراهيم لم يقصد الحقيقة وإنّما أراد التسفية من عقولهم محضا فهذا لايُعدّ كذبا، لأنّ الكذب إخبار في ظاهر غير مطابق للواقع. وهذا إنشاء لمحض التسفيه والهزء بهم.
والإنشاء لايحتمل الصدق والكذب، فتدبّر.
[١] - الأنبياء ٦٣: ٢١.
[٢] - صحيح البخاري، ج ٤، ص ١٧١ و ج ٧، ص ٧؛ وصحيح مسلم، ج ٧، ص ٩٨؛ ومسند أحمد، ج ٢، ص ٤٠٣- ٤٠٤.
[٣] - جامع الترمذي، ج ٤، ص ٦٢٣ و ج ٥، ص ٣٢١.
[٤] - راجع: هامش قصص الأنبياء للنجّار، ص ٨٦.
[٥] - التفسير الكبير، ج ٢٢، ص ١٨٥ و ج ٢٦، ص ١٤٨.