التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٢ - التشبيه في رؤوس الشياطين
مِنَ الْمَسِّ»[١] فالمراد من المساس هنا هو مسّ وساوسه الخبيثة المغرية، والتي هي عبارة عن استحواذه على عقلية اهل المطامع ليتيه بهم الدرب ويجعلهم في السعي وراء مطامعهم يتخبّطون خبط عشواء وفي غياهب غيّهم يعمهون. وهذا إنّما يعني استيلاء الشيطان على شراشر وجودهم فعموا وصمّوا «كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ».[٢] «اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ».[٣]
قال تعالى- حكاية عن نبيّ اللّه أيّوب عليه السلام-: «إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ».[٤] أي مسّني ضرّ وساوسه ودسائسه الخبيثة في سبيل إيقاع أولياء اللّه في النصب ومكابدة الآلام، كما في قوله: «إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ».[٥] فمسُّ الشيطان هو مسّ ضرّه على أثر دسائسه الخبيثة، لا الإضرار مباشرةً.[٦]
التشبيه في رؤوس الشياطين
قال تعالى: «أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ. إِنَّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ. إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. طَلْعُها كأنها رُؤُسُ الشَّياطِينِ. فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ».[٧]
وهذا أيضا أخذوه على القرآن، حيث التعبير برؤوس الشياطين جاء على ماتوهّمته العرب أنّ للشياطين رؤوسا على غرار ما توهّموه في الغول. جاء في شعر امرئ القيس:
«ومسنونة زرق كأنياب أغوال».
غير أنّ الشيطان في اللغة من أوصاف المبالغة مأخوذ من شاط يشيط إذا اشتدّ غيظا وغضبا. يقال: تشيّط إذا احترق غيظا واشتاط اشتياطا عليه إذا التهب غضبا. وكذا قولهم:
[١] - البقرة ٢٧٥: ٢.
[٢] - الأنعام ٧١: ٦.
[٣] - المجادلة ١٩: ٥٨.
[٤] - ص ٤١: ٣٨.
[٥] - الأنبياء ٨٣: ٢١.
[٦] - راجع: التفسير الكبير، ج ٧، ص ٨٩؛ والميزان، ج ٢، ص ٤٣٦.
[٧] - الصافّات ٦٢: ٣٧- ٦٦.