التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٦ - أتيا أهل قرية استطعما أهلها
«تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها»[١]
زعم المتعرّب أنّ «اعتدى» لايتعدّى بنفسه، وكان الصحيح أن يبدّل بقوله «فلاتتعدّوها»[٢] وياليته لم يفضح نفسه بالتدخّل في شؤون لغةٍ هو أجنبيّ عنها. قال صاحب المنجد- وهو مسيحيٌّ مثله لكنّه عارف باللغة-: اعتدى الحقَّ وعن الحقِّ وفوقَ الحقِّ: جاوزه. وكذا تعدّى الشيءَ: جاوزه. فهما بمعنىً.
أتَيا أهْلَ قَرْيةٍ استطعما أهلها
قال تعالى: «حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً».[٣]
قال المتعرّب: والوجه استطعماهم.
قال العلّامة البلاغي: ولعلّه توهّم أنّ الجملة (استطعما أهلها) جواب «إذا»، ولم يدر أنّها وصف للقرية (أي القرية التي استطعما أهلها ...). وجواب «إذا» إنّما هو قوله تعالى في آخر الآية: «قالَ لَوْ شِئْتَ ...».[٤]
قال الإمام الرازي: التكرير قد يكون للتأكيد وهو معروف واقع في اللغة كقول الشاعر:
|
ليت الغراب غداة ينعب دائما |
كان الغراب مقطّع الأوداج[٥] |
|
وقال أبوحيّان الغرناطي: وتكرّر لفظ «أَهْلَ» على سبيل التوكيد. وقد يظهر له فائدة عن التوكيد، وهو أنّهما حين أتيا أهل القرية لم يأتيا جميع أهل القرية، إنّما أتيا بعضهم، فلمّا قال «استطعما ...» احتمل أنّهما لم يستطعما إلّا اولئك البعض الذين أتياهم، فجيء بلفظ «أهلها» ليعمّ جميعهم وأنّهم تتبّعوهم واحدا واحدا بالاستطعام منهم فأبوا جميعا أن
[١] - البقرة ٢٢٩: ٢.
[٢] - ملحق ترجمة كتاب الإسلام، ص ٤٢٥.
[٣] - الكهف ٧٧: ١٨.
[٤] - الهدى إلى دين المصطفى، ج ١، ص ٣٨٩.
[٥] - التفسير الكبير، ج ٢١، ص ١٥٦.