التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٩ - مريم تعود بابنها وقد جاوز سن الرضاعة
يهرب بالصبي إلى مكان بعيد لايعرفونه، خوفا على الصبي من السلطان. فلمّا مات الملك أُلهم يوسف بأن يرجع مع الصبي إلى أرض إسرائيل. وقد كان «أرخيلاوس» ملك اليهود، فخاف يوسف وعرّج على نواحي الجليل وسكن في مدينة يقال لها ناصرة.[١]
وفي إنجيل برنابا نفس العبارة مع شيء من التوضيح:
«ولمّا مات هيروديس ظهر ملاك الربّ في حلم ليوسف قائلًا: عد إلى إليهوديّة، لأنّه قد مات الذين كانوا يريدون قتل الصبّي. فأخذ يوسف الطفل ومريم- وكان الطفل بالغا سبع سنين من العمر- وجاء إلى اليهوديّة، حيث سمع أنّ أرخيلاوس بنهيروديس صار حاكما فيها. فذهب إلى الجليل لأنّه خاف البقاء في اليهودية (أُورشليم) فذهبوا ليسكنوا في الناصرة.
وهكذا يبدو من ظاهر تعبير القرآن: قال تعالى: «وَ اذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا. فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً. فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ...
قالَ إنَّما أنا رَسولُ رَبِّكِ لِابَ لَكِ غُلاما زَكيّا ...
فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكانا قَصيّا. فَأجاءَها الْمخاضُ إلى جِذْعِ النَّخْلَةِ قالَتْ يالَيْتَني مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْيا مَنْسِيّا. فَناداها مِنْ تَحْتِها أنْ لاتَحْزَني قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّا. وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجذْع النَخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَبا جَنِيّا. فَكُلي وَاشْرَبي وَقَرِّي عَينا. فَإمّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشرِ أحَدا فَقُولي إنّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمانِ صَوْما فَلَن أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إنْسِيّا. فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ. قالوا يا مَريمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئا فَرِيّا ...
فَأشارَتْ إلَيْهِ. قالوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ في الْمَهْدِ صَبِيّا. قال إنّي عبْدُاللّه ...».[٢]
يبدو من هذه الآيات أنّ مريم اختارت لعبادتها أرضا غير آهلة بعيدة عن مساكن أهلها لتختلي بعبادة ربّها دون أعين الناظرين. وفي هذا الدور جاءها مَلاك الربّ ليبشّرها بالمسيح. ولمّا حملت به أخذت تبتعد أكثر خوف الفضيحة. وكان هناك (في المكان
[١] - إنجيل متى، الأصحاح ١ و ٢.
[٢] - مريم ١٦: ١٩- ٣٠.