التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٥٩ - الطلاق والعدة والعدد
يعبث بها حسبما شاء!
وهذا من الأثر المتبقّى من أعرافٍ جاهليّةٍ أُولى، قام الإسلام بتعديلها وربما آخذا بجانبها ولكن في شيءٍ يسيرٍ لم يرفعها إلى حيث كرامتها الإنسانية العُليا!
قال الشيخ محمد عبده: كان للعرب في الجاهلية طلاق ومراجعة في العدّة، ولم يكن للطلاق حدٌّ ولاعَدَد. فإن كان لمغاضبةٍ عارضةٍ عاد الزوج واستقامت عشرته، وإن كان لمضارّة المرأة راجع قبل انقضاء العدّة واستأنف طلاقا، ثمّ يعود إلى ذلك المرّة بعد المرّة أو يفيء ويسكن غضبه، فكان المرأة العوبة بيد الرجل يضارّها بالطلاق ماشاء أن يضارّها، فكان ذلك ممّا أصلحه الإسلام من امور الاجتماع.[١]
وذكر في سبب نزول الآيات ٢٢٨- ٢٣٢ من سورة البقرة بهذا الشأن: أنّ الرجل كان يطلّق امرأته ماشاء أن يطلّقها وهي امرأته إذا ارتجعها وهي في العدّة وإن طلّقها مائة مرّة وأكثر، حتّى قال رجل لامرأته: واللّه لا اطّلقك فتبيني، ولا آويك أبدا! قالت: وكيف ذلك؟
قال: اطلّقك، فكلّما همّت عدّتك أن تنقضي راجعتك. فذهبت المرأة حتّى دخلت على عائشة فأخبرتها، فصبرت عائشة حتّى جاء النبيّ صلى الله عليه و آله فأخبرته بذلك، فسكت النبيّ هنيئة حتّى نزل القرآن: «الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ ... فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ...» إلى آخر الآيات.[٢]
حاول بعض الكتّاب العصريّين أن يجعل من التشريعات الإسلاميّة متأثّرةً بعض التأثّر بتقاليد كانت سائدة ذلك العهد، فهو وإن كان قام بتعديلات خطيرة في تقاليد العرب لكنّه مع ذلك اضطرّ إلى الرضوخ لبعض تقاليدهم جريا مع مقتضيات الزمان، ومنها أمر الطلاق حيث جعله بيد الرجل وفقا مع عرف القوم السائد! قال: ولاسيّما إذا مالا حظنا أنّ التشريعات الإسلامية في مثل هذه الشؤون إمضائية وليست تأسيسية كما هو معروف.[٣]
[١] - راجع: تفسير المنار، ج ٢، ص ٣٨١.
[٢] - الدرّ المنثور، ج ١، ص ٦٦٢؛ ومجمع البيان، ج ٢، ص ٣٢٩.
[٣] - الدكتور حسين مهرپور أخصّائي في الحقوق، مجلّة« نامه مفيد»، العدد ٢١، ص ١٦١.