التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٥ - وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم
الثبوت بذاته واضحا جليّا من غير حاجة إلى إقامة حجّة ودليل.
فهو في حقيقته قسم، لكن بصورة سلبية هي آكد من صورة الإيجاب.
وما كان اللّه ليعذّبهم وأنت فيهم
سؤال:
قال تعالى: «وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ ما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ».[١]
ضمن تعالى أن لايعذّب العرب على قيد أحد شرطين: حضور النبيّ بين أظهرهم، أو استغفارهم هم. ومن ثمّ قال الإمام أميرالمؤمنين عليه السلام: «كان في الأرض أمانان من عذاب اللّه، وقد رُفع أحدهما، فدونكم الآخر فتمسّكوا به. أمّا الأمان الذي رفع فهو رسول اللّه صلى الله عليه و آله وأمّا الأمان الباقي فالاستغفار». ثمّ تلا الآية.[٢]
لكن يتعقّب الآية ما ينافي ذلك ظاهرا، وهو قوله: «وَ ما لَهُمْ أن لا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَ هُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَ ما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ».[٣]
فكيف التوفيق؟
جواب:
إنّ سياق الآيتين يدلّنا على اتصالهما ونزولهما معا إحداهما تلو الاخرى مباشرةً، الأمر الذي يستدعي وئاهما طبعا وعدم تنافيهما، حيث المتكلّم النابه- فضلًا عن الحكيم- لا يتناقض في كلامه قيد تكلّمه. فزاعم التناقض واهمٌ في حدسه البتة.
على أنّه لاتهافت بين الآيتين حتّى بحسب الظاهر أيضا، حيث الآية الاولى إنّما تنفي فعليّة العذاب وأنّه لايقع لوجود المانع. أمّا الآية الثانية فناظرة إلى جهة الاقتضاء وأصل الاستحقاق، فهم مستحقّون للعذاب لتوفّر المقتضي فيهم. بصدّهم عن المسجد الحرام وليسوا بأوليائه، وإن كانوا لا يعذّبون فعلًا مادام وجود المانع وهما الشرطان أو أحدهما. فلا منافاة بين وجود المقتضي ونفي الفعلية لمكان المانع، كما لايخفى.
[١] - الأنفال ٣٣: ٨.
[٢] - نهج البلاغة، قصار الحكم، رقم ٨٨، ص ٤٨٣.
[٣] - الأنفال ٣٤: ٨.