التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٧ - نظرة فاحصة عن إصابة العين
تستنزل الحالق».[١] قال: وهذا مجاز، والمراد أن الإصابة بالعين من قوّة تأثيرها وتحقّق أفاعيلها كأنّها تستهبط العالي من ارتفاعه، وتَسْتَقْلِقُ (أي تُزحزح) الثابت بعد استقراره.
والحالق، المكان المرتفع من الجبل وغيره. فجعل عليه الصلاة والسلام العين كأنّها تحطّ ذروة الجبل من شدّة بطشها وحِدَّة أخذها. وقد تناصرت (تضافرت) الأخبار بأنّ الإصابة بالعين حقّ.[٢] والذي يقوله أصحابنا: إنّ اللّه سبحانه يفعل المصالح بعباده على حسب مايعلمه من الصلاح لهم في تلك الأفعال التي يفعلها والأقدار التي يقدّرها. وإذا تقرّرت هذه القاعدة، فغير ممتنع أن يكون تغييره تعالى نعمة زيدٍ مصلحةً لعمروٍ، وإذا كان تعالى يعلم من حال عمروٍ أنّه لو لم يسلُب زيدا نعمته ويخفض منزلته أقبل على الدنيا بوجهه ونأى عن الآخرة بعطفه وأقدم على المغاوي وارتكس في المهاوي، وإذا سلب سبحانه نعمة زيدٍ للعلّة الّتي ذكرناها عوّضه عنها وأعطاه بدلًا منها عاجلًا أو آجلًا. وإذا كان ذلك كما قلنا- وقد روي عنه صلى الله عليه و آله ما يدلّ على أنّ الشيء إذا عظم في صدور العباد وضع اللّه قدره وصغّر أمره-[٣] لم ينكر تغيير حال بعض الأشياء عند نظر بعض الناظرين إليه واستحسانه له وعِظَمِه في صدره وفخامته في عينه. كما روي أنّه صلى الله عليه و آله قال- لمّا سُبِقَتْ ناقَتُه العَضْباء[٤] وكانت إذا سوبق بها لم تُسْبَق-: «ما رفع العباد من شيء إلّا وضع اللّه منه».[٥] فيمكن أن يتأوّل قوله عليه الصلاة والسلام: «العينُ حقّ» على هذا الوجه. ويجوز أن
[١] - حديث متواتر، رواه الفريقان بعدّة أسانيد وفي مختلف الألفاظ والعبارات. راجع: مسند أحمد، ج ١، ص ٢٧٤، وسائر المسانيد الستّة؛ وبحار الأنوار، ج ٦٠، ص ٢٥- ٢٦، وسائر الكتب الحديثية المعتبرة.
[٢] - وقد عقد العلّامة المجلسي في بحاره بابا في ذلك، راجع: ج ٦٠، كتاب السماء والعالم.
[٣] - إشارة إلى ما رواه أحمد في مسنده الآتي وفي النهج:« ما قال الناس لشيء طوبى له إلّا وقد خبأ الدهر له يوم سَوء». قصار الحكم، رقم ٢٨٦، ص ٥٢٦. وفي نوادر الراوندي، ص ١٢٨:« ما رفع الناس أبصارهم إلى شيء إلّا وضعه اللّه» وراجع: بحار الأنوار، ج ٦٠، ص ٢٧.
[٤] - العضباء: الناقة المشقوقة الاذن. وكان هذا الاسم لقبا لناقة رسول اللّه صلى الله عليه و آله ولم تكن مشقوقة الاذن. قال الزمخشري: ناقة عضباء، قصيرة اليد.
[٥] - روى أحمد في مسنده، ج ٣، ص ١٠٣ و ٢٥٣ و غيره أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله كانت له ناقة تسمّى العضباء، وكانت لا تُسبَق في مسابقةٍ، حتّى جاء أعرابيّ على قعودٍ ما اعدّ للحمل والركوب من الدوابّ ومن الإبل ما تجاوز السنتين ولم يبلغ الستّ فسبقها، فشقّ ذلك على المسلمين، فلمّا رأى ما في وجوههم قال: إنّ حقّا على اللّه أن لا يرفع شيئا في الدنيا إلّا وضعه. والحديث منقول في الكتب بألفاظ مختلفة.