التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٤٥ - الباب الخامس القصص القرآني على منصة التحقيق
قال نظامالدين النيشابوري القمي، صاحب التفسير: الإنسان قد يذكر معنىً فلا يلوح له مبلغ تأثيره ولا مدى تفهيمه كما ينبغي، حتّى إذا شفّعه بشاهد مثال ولا سيّما قصص الماضين- فيما إذا كان بصدد الوعظ والإرشاد- فتراه كلاما ذا وقع وتأثير حسبما يراد.
ذلك أنّ في الطباع محاولة المحاكاة مع المشهود من جمال أو كمال. فإذا ذكر المعنى وحده كان قد أدركه العقل، ولكن مع منازعة الخيال ومحاولة رفضه في بادئ الأمر، أمّا إذا شُفّع بذكر شاهد من أحوال الماضين وذكرت الأسباب المؤاتية والنتائج الحاصلة منها، رغبت النفس في لمسه في ذات ضميره، فيكون أوقع في النفس وأقرب إلى القبول وإمكان التأثير. ومن ثمّ كان من الضروري الإكثار في القرآن من ذكر القصص والأمثال، فإنّه الكتاب الّذي انزل تبيانا لكلّ شيء وهدىً ورحمة للعالمين.[١]
وقال الإمام الرازي- بصدد بيان فائدة ذكر قصص الأنبياء في القرآن-:
إنّه سبحانه لمّا بالغ في تقرير الدلائل والبيّنات وفي الردّ على شبهات المعاندين، شفّعها بذكر أحوال الامم السالفة ومواضعهم من الأنبياء، لغرض أنّ الكلام إذا طال في تقرير نوع من أنواع المعارف، فربّما حصل نوع من الملال، وليس إذا حصل انتقال من نوع إلى نوع، ليزيد طراوة وينشط من رغبة السامعين.
وأيضا ليكون الرسول صلى الله عليه و آله والمؤمنون في تسلية عمّا يواجهوه من أذى الأعداء، وليتأسّوا بمن سلف من الأنبياء والصالحين.
وكذلك ليكون تنبّها للجهّال المعاندين، فلينظروا في أحوال الماضين من آبائهم وليعتبروا بما اصيبوا من الفشل والخسران، وأنّ اللّه تعالى لينصر أولياءه ويكون جنده هم الغالبين.
وأخيرا فإنّها معجزة قرآنيّة يذكر قصص الماضين نقيّة وسليمة من أكدار التحريف والتشويه، على يد نبيّ امّي لم يكتب ولم يقرأ الكتب.[٢]
[١] - عن تفسير غرائب القرآن للنيشابوري بهامش الطبري، ج ١، ص ١٩٩- ٢٠٠ بتصرّف وتبيين.
[٢] - عن التفسير الكبير، ج ١٧، ص ١٣٥، عند تفسير الآية ٧١ من سورة يونس. فيما قصّ اللّه من حديث نوح عليه السلام نقلًا بتصرّف.