جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥١٧ - حكم من كان عمله السفر في بعض فصول السنة
[و لا يعتبر تثليث السفر بعد صدق العمليّة].
اعتبار [١]. و استحسن التعبير عنه بأن لا يكون ممّا يلزمه الإتمام سفراً. لكنّه- كما ترى- فيه من الإجمال و إدخال غير المراد ما لا يخفى، بل لعلّ ما عدل عنه من التعبير أولى منه، خصوصاً إن قلنا بإرادة من عبّر به منشئيّة كثرة السفر، إمّا لأنّه عمله و حرفته كالمكاري و الملّاح، أو أنّ تلك عادته. بل قيل: إنّ كثير السفر حقيقة متشرّعية فيمن كان عمله السفر كما جزم به في الروض [٢]. إلّا أنّ الإنصاف أنّ ما ذكرناه من التعبير [و هو اتّخاذ السفر عملًا] أولى و أوفق بظاهر النصوص، لكن ينبغي إخراج البدوي عنه، كما أشرنا سابقاً في أنّ جهة إتمامهم كون بيوتهم معهم، لا عمليّة السفر، مع إمكان إدراجهم فيه أيضاً. نعم اعتبر الفاضل في الرياض مع ذلك [مع كون السفر عمله] تكرّر السفر و كثرته، من غير فرق بين المكاري و الملّاح و نحوهما ممّن ورد في النصوص- من التاجر و الأمير- و بين غيرهم ممّن يكون السفر عمله، قال: «فلو صدق وصف أحد هؤلاء و لم يتحقّق الكثرة المزبورة لزم التقصير. خلافاً للحلّي فحكم بالتمام فيهم؛ لإطلاق الأدلّة من النصوص و الفتاوى بوجوب التمام على هؤلاء، و لقيام اتّخاذهم ذلك صنعة مقام التكرّر من غيرهم ممّن كان سفره أكثر من حضره، و هو- مع ضعفه بأنّ المستفاد من النصوص بعد ضمّ بعضها إلى بعض أنّ وجوب التمام على هؤلاء إنّما هو لأنّ السفر عملهم لا لخصوصيّة فيهم، فلو فرض كثرة السفر بحيث يصدق كونه عملًا لزم التمام و إن لم يصدق وصف أحد هؤلاء، و بالعكس على ما عرفت- مقدوح بلزوم حمل المطلقات على الغالب الشائع منها؛ و هو من تكرّر السفر منه مراراً، لا من يحصل منه في المرّة الاولى. و منه يظهر ضعف ما في المختلف من حكمه بالإتمام في السفرة الثانية مطلقاً، و [خلافاً] لجماعةٍ فجعلوا المدار في الإتمام على صدق وصف أحدهم أو صدق كون السفر عمله. و منهم الشهيد في الذكرى، إلّا أنّه قال: و ذلك إنّما يحصل غالباً بالسفرة الثالثة التي لم يتخلّلها إقامة عشرة، كما صرّح به الحلّي في متّخذ السفر عملًا. و فيه: ما عرفته من أنّ المستفاد من النصوص أنّ وجوب التمام على هؤلاء إنّما هو من حيث كون السفر عملهم، فلا وجه لجعله مقابلًا. ثمّ إنّ دعوى حصول صدق أحد العنوانين بمجرّد السفر في الثالثة ممنوعة؛ إذ قد يحصل السفر زائداً عليها و لا يصدق أحدهما، كما لو اتّفق كثرة السفر مع عدم قصده إلى اتّخاذه عملًا، و مثله يقصّر قطعاً، كما صرّح به بعض متأخّري أصحابنا فقال بعد نقل الأقوال: «و إذ قد عرفت أنّ الحكم في الأخبار ليس معلّقاً على الكثرة، بل على مثل المكاري و الجمّال و من اتّخذ السفر عمله، وجب أن يراعى صدق هذا الاسم عرفاً، فلو فرض عدم صدق الاسم بالعشرة لم يتعلّق حكم الإتمام، نعم يعتبر السفرات الثلاث مع صدق العنوان، فلا إتمام فيما دونها و لو صدق؛ لما مرّ من لزوم حمل المطلقات على المتبادر، و ليس إلّا من تكرّر منه السفر ثلاثاً فصاعداً، و يمكن أن يكون مراد الشهيد في اعتباره التعدّد ثلاثاً، هذا. و بالجملة: المعتبر عدم اتّخاذ السفر عملًا مع تكرّره مرّة بعد اخرى، و معه كذلك يجب التمام كما يستفاد من النصوص على ما قدّمناه» [٣] انتهى.
و فيه- بعد الغضّ عن بعض ما ذكره-: أنّه لا وجه لاعتبار تثليث السفر بعد صدق العمليّة كما هو ظاهر ذيل كلامه بل صريحه؛ ضرورة ظهور الأدلّة إن لم يكن صراحتها في أنّ مدار الإتمام ذلك [صدق العمليّة]، كما أنّها ظاهرة أو صريحة في [ذلك].
[١] المعتبر ٢: ٤٧٢.
[٢] الروض ٢: ١٠٣٦.
[٣] الرياض ٤: ٤٢٦- ٤٢٧.