جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٦١ - مقدار البريد
..........
الراجل للبصر المتوسّط في الأرض المستوية أو المتوسّطة من «مدّ البصر»- متقاربان؛ و لذا كان ظاهر المتن التخيير في الاعتبار بكلٍّ منهما. و ما في المدارك من أنّ ظاهره التوقّف في المعنى الأوّل؛ حيث نسبه إلى الشهرة و ذكر الآخر جازماً به [١] ليس في محلّه. بل ظاهره التخيير بقرينة لفظ التعويل، بل لعلّ تقديمه [المعنى الأوّل] مشعر بترجيحه على الأخير. كما اعترف به في التنقيح [٢] لتقدّم العرف على اللغة عند التعارض. و الشهرة هنا- بناءً على أنّ المراد منها غير الشهرة الفتوائيّة- صالحة لإثبات ما نحن فيه؛ لكونه من الموضوعات.
فنسبة ذلك إليها لبيان مدرك الحكم لا للتوقّف فيه، كما حكاه في الرياض عن بعض مشايخه [٣] مع أنّه ربّما يدلّ عليه مضافاً إلى: ١- الشهرة و غيرها ممّا عرفت. ٢- و مناسبته للتحديد اللغوي بمدّ البصر. ٣- و لتقدير المسافة بمسيرة اليوم أيضاً. ٤- ما حكي عن القاموس من أنّ «الميل قدر مدّ البصر، أو منار يبنى للمسافر، أو مسافة من الأرض متراخية بلا حدّ، أو مائة ألف إصبع إلّا أربعة آلاف إصبع، أو ثلاثة أو أربعة آلاف ذراع بحسب اختلافهم في الفرسخ هل هو تسعة آلاف بذراع القدماء، أو اثنى عشر ألفاً بذراع المحدثين ... إلى آخره» [٤]؛ إذ من الواضح انطباقه على ما ذكره من المائة الف إصبع إلّا أربعة آلاف. و منه يظهر أنّه لا وجه لذكره الأربعة آلاف ذراع يعني مقابلًا للمائة ألف إصبع إلّا أربعة آلاف. بل الظاهر رجوع التقدير بالثلاثة آلاف ذراع إليه أيضاً، كما نبّه عليه الفيّومي في مصباحه، قال- هو على ما يقتضيه ما حضرني من نسخته- أو حاكياً له عن الأزهري على ما عن اخرى: «و الميل عند القدماء من أهل الهيئة ثلاثة آلاف ذراع، و عند المحدثين أربعة آلاف ذراع، و الخلاف لفظي فإنّهم اتّفقوا على أنّ مقداره ستّة و تسعون ألف إصبع، و الاصبع ستّة شعيرات بضمّ بطن كلّ واحدة للُاخرى، و لكنّ القدماء يقولون: الذراع اثنتان و ثلاثون إصبعاً، و المحدثون أربع و عشرون إصبعاً، فإذا قسّم الميل على رأي القدماء كلّ ذراع اثنتين و ثلاثين ١٤/ ٢٠٠/ ٣٣٥
كان المتحصّل ثلاثة آلاف ذراع، و إن قسّم على رأي المحدثين أربعاً و عشرين كان المتحصّل أربعة آلاف ذراع، و الفرسخ عند الكلّ ثلاثة أميال. و إذا قدّر الميل بالغلوات و كانت كلّ غلوة أربعمائة ذراع كان ثلاثين غلوة، و إن كان كلّ غلوة مائتي ذراع كان ستّين غلوة ... إلى آخره» [٥]. بل قد يقرب منه أيضاً ما عن المهذّب من أنّ «الميل الهاشمي أربعة آلاف خطوة و اثنا [٦] عشر ألف قدم؛ لأنّ [٧] كلّ خطوة ثلاثة أقدام منسوب إلى هاشم جدّ النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)» [٨]. بل يقرب منه أيضاً مرسل محمّد بن يحيى الخزّاز عن بعض أصحابنا عن الصادق (عليه السلام) قال: «بينما نحن جلوس و أبي عند والٍ لبني اميّة على المدينة إذ جاء أبي فجلس، فقال: كنت عند هذا قبيل، فسألهم عن التقصير فقال قائل منهم: في ثلاث، و قال قائل منهم: يوماً و ليلة، و قال قائل منهم روحة، فسألني فقلت لهم [٩]:
إنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله و سلم) لمّا نزل عليه جبرائيل بالتقصير قال له النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم): في كم ذلك؟ فقال: في بريد، قال: و أيّ شيء البريد؟ قال:
ما بين ظلّ عير إلى فيء وعير، قال: ثمّ عبرنا زماناً ثمّ رئي بنو اميّة يعملون أعلاماً على الطريق و أنّهم ذكروا ما تكلّم به أبو جعفر (عليه السلام)
[١] المدارك ٤: ٤٣٠.
[٢] التنقيح ١: ٢٨٥.
[٣] الرياض ٤: ٤٠٧.
[٤] القاموس المحيط ٤: ٥٣.
[٥] المصباح المنير: ٥٨٨.
[٦] في المصدر: «أو أثنا».
[٧] في باقي النسخ: «و إن».
[٨] المهذب البارع ١: ٢٨١.
[٩] في المصدر: «له».