جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٤٣ - حكم الإقامة في البادية القفراء
..........
النزاع كما عرفت. بل الظاهر أنّه كذلك حتى لو بدا له بعد النيّة قبل الصلاة تماماً؛ لعدم ظهور أثر تلك النيّة الذي يظهر من النصوص اعتباره في حصول أحكامها، و لذا لو رجع إلى قصد السفر في هذا الحال عاد إلى التقصير، فكذا لو أدخل في نيّته التردّد فيما دون المسافة قبل الصلاة تماماً عاد إلى التقصير بناءً على ما قلناه من عدم صحّة ذلك لو كان في الابتداء. نعم الأولى في الاستدلال للمذهب المزبور بخبر محمّد ابن إبراهيم الحصيني قال: استأمرت أبا جعفر (عليه السلام) في الإتمام و التقصير، قال: «إذا دخلت الحرمين فانو عشرة أيّام و أتمّ الصلاة، فقلت له: إنّي أقدم مكّة قبل التروية بيوم أو يومين أو ثلاثة، قال: انو مقام عشرة أيّام و اتمّ الصلاة» [١]؛ ضرورة عدم تصوّر النيّة منه بعد لزوم الخروج عليه لعرفات للحجّ قبل مضيّ العشرة إلّا على المذهب المزبور من عدم قدح ذلك في النيّة.
لكنّك خبير: ١- بقصور سند الخبر المذكور عن إثبات الحكم المسطور، خصوصاً بعد ما عرفت أنّه لم يذهب إليه أحد هنا سوى من سمعت. ٢- و ببناء الاستدلال به على منع كون عرفات على أربعة فراسخ من مكّة أو على عدم لزوم التقصر في الخروج ١٤/ ٣١٠/ ٥٠٤
لعرفات لكون المسافة ثمانية أو أربعة من الرجوع ليومه، فيتمّ حينئذٍ دلالته على ذلك. أمّا على ما سمعته سابقاً من كون المسافة أربعة مع قصد الرجوع و لو لغير يومه فلا يتّجه الاستدلال به، بل يجب حينئذٍ طرحه أو جعل ذلك من خواصّ مكّة أو تأويله على التقادير الثلاثة المتقدّمة؛ إذ من الواضح منافاته لنيّة الإقامة على كلّ حال. و كذا لو قلنا بالتخيير بين القصر و الإتمام مع عدم قصد الرجوع ليومه كما هو المشهور بين المتقدّمين؛ إذ القائل المزبور كلامه مختصّ بمجامعة نيّة الإقامة لقصد الخروج عمّا دون المسافة خاصّة، أمّا المسافة فلا ريب في منافاته لنيّة الإقامة. اللهمّ إلّا أن يفرّق بين المسافة الموجبة للقصر و بين المخيّرة، و يخصّ المنافاة بالاولى دون الثانية فيجعلها كدون المسافة في ذلك. كما احتمله بعضهم [٢] بالنسبة إلى بطلان حكم الإقامة، بل عن الاستاذ الأكبر:
أنّه بباله عن بعض مشايخه أنّه حكى ذلك عن العلّامة ٣، فلا يرجع المقيم حينئذٍ إلى التقصير لو بدا له الخروج إلى المسافة التخييريّة ثمّ عاد إلى محلّ الإقامة. و منه ينقدح احتماله حينئذٍ فيما نحن فيه أيضاً من عدم منافاة ذلك لو أخذه في النيّة؛ ضرورة مساواته حينئذٍ لما دون المسافة، لكنّه كما ترى كلام قشريّ و حديث سوفسطائي. و أمّا صحيح زرارة عن الصادق (عليه السلام): «من قدم قبل التروية بعشرة وجب عليه إتمام الصلاة، و هو بمنزلة أهل مكّة، فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير، فإذا زار البيت أتمّ الصلاة و عليه إتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتى ينفر» [٤]. و قريب منه آخر [٥] على ما قيل. فلا دلالة فيه على ذلك؛ إذ الفرض أنّ نيّته إقامة العشرة تامّة؛ لقدومه قبل التروية بعشر، و تقصيره في خروجه إلى منى لبطلان حكم إقامته بقصد المسافة لقضاء نسك عرفات، و فيه شهادة: ١- على كون المسافة أربعة و إن لم يرد الرجوع ليومه. ٢- و على كونها محتّمة للقصر لا مخيّرة. اللهمّ إلّا أن يقرّر الاستدلال به: بأنّه لا وجه لإتمامه في البيت عند رجوعه للزيارة بعد هدم إقامته الاولى إلّا بأن يكون قد نوى الإقامة فيه بعد الحجّ كما هو المعتاد على ما قيل [٦]، و لذا ترك التقييد به في النصّ، و إتمامه حينئذٍ بمنى حتى ينفر لا يتمّ إلّا إذا قلنا بعدم منافاة قصد مثل ذلك في ابتداء الإقامة لها. لكنّه كما ترى شكّ في شكّ و تأويل في تأويل، فالأولى طرحه بالنسبة إلى ذلك، أو حمله على خصوص مكّة، أو على غير ذلك ممّا لا ينافي المختار، و اللّٰه أعلم.
[١] الوسائل ٨: ٥٢٨، ب ٢٥ من صلاة المسافر، ح ١٥.
[٢] ٢، ٣ مفتاح الكرامة ٣: ٥٥٩. المصابيح ٢: ٢٥٥.
[٤] الوسائل ٨: ٤٦٤، ب ٣ من صلاة المسافر، ح ٣، و فيه: «عن أبي جعفر (عليه السلام)».
[٥] الوسائل ٨: ٥٠٣، ب ١٥ من صلاة المسافر، ح ١٩.
[٦] الوافي ٧: ١٥٤، ذيل الحديث ١٥.