جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٤١ - حكم ناوي الإقامة في البلد قاصداً للتردّد في بعض نواحيها
..........
منه ذلك في أثناء الإقامة، بل ظاهر الجواب أنّه بعد تمام الإقامة، فتخرج حينئذٍ المسألة عمّا نحن فيه، و تندرج في المسألة الاخرى التي اضطرب فيها كلام العلماء، بل ربّما صنّف فيها رسائل، و هي أنّ المقيم إذا خرج إلى مادون المسافة، و قد قصد العود دون الإقامة، فهل يقصّر ذهاباً و إياباً و في المقصد و محلّ الإقامة أو يتمّ؟ و ستسمع تمام البحث فيها عند تعرّض المصنّف لها.
و الظاهر أنّ موضوعها تجدّد قصد الخروج بعد نيّة الإقامة، لا أنّه كان ذلك في أثنائها، كما يومئ إليه تعليقهم الحكم فيها على المقيم و عزم الإقامة و نيّتها و نحو ذلك، بل قد يشعر بعض كلماتهم بكون وقوع ذلك بعد تمام الإقامة. و كيف كان فهو غير ما نحن فيه؛ إذ المراد بشرطيّة الأمر المذكور [أي محلّ الترخّص] إنّما هو بالنسبة إلى ابتداء نيّة الإقامة، لا مطلقاً حتى في الأثناء أو بعد الإتمام.
و لذا ذهب غير واحد ممّن اعتبر الشرط المزبور هنا- و بالغ في الإنكار على من جوّز التردّد للمقيم فيما دون المسافة- إلى الإتمام في المسألة الآتية إمّا مطلقاً أو في الذهاب و المقصد دون الإياب و محلّ الإقامة؛ لظنّه أنّ ابتداء سفره يكون من المقصد، و مروره بمحلّ الإقامة لا يصلح للقطع حال عدم نيّة الإقامة. فلا يشتبه عليك الحال في موضوع المسألتين كي يشكل عليك الجمع بين اتّفاقهم ظاهراً هنا على ما ذكرناه من الشرط المزبور- و لم يحك الخلاف فيه إلّا عن الفخر في بعض الحواشي، بل صرّح غير واحد بأنّه لا ينبغي التعويل على هذه النسبة؛ لعدم ثبوتها- و بين المعركة العظمى في المسألة الآتية التي قد عرفت أنّ موضوعها: من اتّصف بوصف الإقامة و العزم عليها ثمّ بدا له الخروج إلى ما دون المسافة، لا أنّه كان ذلك من عزمه في ابتداء النيّة فإنّه لم يخالف أحد في عدم اعتبار مثل هذه الإقامة إلّا ما سمعته من تلك النسبة إلى الفخر و الكاشاني و الاستاذ الأكبر فيما حكي عنهما. و لا ريب في ضعفه؛ لعدم صدق الإقامة في البلد على مثله عرفاً قطعاً، و عدم ثبوت مشروعيّة نيّة الإقامة في البلد و ما دون المسافة، و لذا صرّح في المحكيّ عن المنتهى بأنّه «لو عزم على إقامة طويلة في رستاق منه من قرية إلى قرية و لم يعزم على الإقامة في واحدة منها [١] لم يبطل حكم سفره ... إلى آخره» [٢].
و دعوى تناول الإطلاقات لمثل ذلك واضحة المنع؛ ضرورة انسياق [٣] غير ذلك منها إلى الذهن إن لم تكن صريحة فيه، و استصحاب القصر محكّم.
نعم قد يقال: بتناولها [الإطلاقات الدالّة على التمام] للبلاد الخارقة للمعتاد في الاتّساع، و إنّ له نيّة الإقامة فيما جميعها، فله التردّد في جميع جوانبها، و لا يتعيّن عليه نيّتها في محلّةٍ منها، كما صرّح به بعضهم و تشهد له السيرة. بل قد يظهر من المحدّث البحراني و غيره كونه من المسلّمات [٤]؛ حيث أورده على حكمهم بابتداء السفر فيها بالمحلّة، و مراعاة محلّ الترخّص بالنسبة إليها ذهاباً و إياباً لا إلى البلد.
لكن لا يخفى أنّه لازم لهم، و لعلّهم يلتزمون بتعيّن نيّة الإقامة أيضاً في المحلّة كما صرّح به بعض مشايخنا [٥]، و إن كان واضح البطلان؛ لإطلاق الأدلّة.
[١] في المصدر بعدها: «المدّة التي يبطل حكم السفر فيها».
[٢] المنتهى ٦: ٣٨٥- ٣٨٦.
[٣] يحتمل: «انسباق».
[٤] الحدائق ١١: ٤١٠.
[٥] كشف الغطاء ٣: ٣٥٠.