جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٢٦ - كفاية تواري الجدران أو خفاء الأذان في حدّ الترخّص
..........
قال: «و الحقّ في الجواب: أنّ التخيير بين الخبرين، و إذا أخذ بأحدهما لم يلتفت إلى ما جاء به الآخر حتى كأنّه لم يجئ» ثمّ قال: «و إذا أخذ بواحدٍ منهما فهل يتعيّن الأخذ به و لا يسوغ له العدول إلى الآخر من حيث إنّ الشارع خيّره فاختار نصيبه أو لا زال على التخيير كما لو كان التخيير بين الفعلين كما في المواطن الأربع؟ وجهان ... إلى آخره».
لكن لا يخفى عليك أنّ ذلك كلّه من غرائب الكلام؛ ضرورة أنّه لا دلالة في شيء من كلمات الجماعة على أصل التخيير فضلًا عن هذا التخيير المزبور [أي العمل بكلٍّ من الروايتين]؛ إذ لم يعبّروا إلّا بنحو المتن، و هو ظاهر- أن لم يكن صريحاً- في إرادة ثبوت التقصير بأحدهما، فلا يقدح حينئذٍ تخلّف الآخر؛ إذ أقصاه أنّه علامة، و هي لا يجب اطّرادها كما أوضحناه لك سابقاً، فإنّ مفهوم كلٍّ منهما مقيّد بمنطوق الآخر، فلا تناقض حينئذٍ، و لا تخيير حقيقةً، بل هو أشبه شيء بتقديري الكرّ: المساحة و الوزن اللذين لا يقدح في تحقّق الكرّية بأحدهما تخلّف الآخر، على ما عرفته في محلّه.
و منه يعلم فساد ما أطنب به الاستاذ الأكبر من بيان عدم جواز مثل هذا التخيير [١]، و أنّه أوضح فساداً من القول بالتصويب، وليت شعري كيف يحتمل إرادة التخيير بين العمل بكلٍّ من الروايتين هنا من عبارات الأصحاب؟! و لو أرادوه لم يجز التعبير بذلك؛ لاختلافه بحسب اختيار الفقيه لأيّ الروايتين، على أن تكون تكليفه و تكليف مقلّديه، و لا دليل على أنّ التخيير هنا كتخيير الحائض بالرجوع إلى الروايات. و بالجملة: كأنّ المقام من الواضحات التي لا تحتاج إلى مزيد إطناب.
و منه حينئذٍ تعرف وجه اندفاع سائر ما تقدّم ممّا اورد على هذا القول؛ ضرورة أنّك عرفت كون مبناه تقييد كلٍّ من مفهوم الخبرين بمنطوق الآخر، و هو جارٍ على مقتضى الضوابط و القواعد. بل و منه تعرف أيضاً ضعف ترجيح الجمع بكون الشرط في التقصير خفاءهما معاً عليه، كما ذهب إليه جماعة. بل قيل: إنّه المشهور بين المتأخّرين [٢]، بل عن حاشية الألفيّة للكركي نسبته إليهم [٣]، كما عن آخر نسبته إلى الشهرة [٤] و الأكثر من غير تقييد، بل عن الخلاف الإجماع عليه [٥]؛ ضرورة كون مبناه تقييد كلٍّ من الخبرين بالآخر حتى يكون الشرط حينئذٍ اجتماعهما.
و فيه: أنّ التعارض فيهما بين المنطوق و المفهوم لا المنطوقين، فلا وجه لتقييد أحدهما بالآخر، بل هو في الحقيقة إبطال للدليل من غير معارض، و لعلّه لذا رجّح في المدارك الجمع الأوّل عليه، بل قال: «إنّه بعيد جدّاً» [٦]. فما في الرياض حينئذٍ من ترجيح الجمع المزبور على الأوّل- إمّا لرجحانه في نفسه عليه عند التعارض، أو لأوفقيّته باستصحاب التمام [٧]- محلّ للنظر. مع أنّ الأوّل مصادرة محضة، و الثاني غير مجدٍ بعد ما عرفت من مخالفة الجمع المزبور لمقتضى الضوابط. و معارض بموافقة الأوّل؛ لإطلاقات السفر و للضرب في الأرض. بل و بما دلّ على التقصير بمجرّد الخروج من المنزل كالمرسل السابق و غيره.
و أمّا إجماع الخلاف: فهو- مع ما قيل من أنّه مساق للردّ على من اكتفى في التقصير بمجرّد الخروج من المنزل، كما يومئ
[١] المصابيح ٢: ١٦٧.
[٢] مجمع الفائدة و البرهان ٣: ٣٩٧.
[٣] حاشية الألفيّة (رسائل الكركي) ٣: ٢٤٩، و فيه: «الأظهر بين المتأخّرين».
[٤] المهذّب البارع ١: ٤٨٩.
[٥] الخلاف ١: ٥٧٢.
[٦] المدارك ٤: ٤٥٧.
[٧] الرياض ٤: ٤٣٥.