جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٥٠٥ - حكم العدول عن المعصية في أثناء السفر
ثمّ من المعلوم أنّ المدار على كون السفر سفر معصية، لا على مطلق حصول المعصية حال السفر، فشرب الخمر حينئذٍ و فعل الزنا و نحوهما حاله لا تقدح في الترخّص (١).
أمّا لو فرض كونه كذلك كركوب دابّة مغصوبة بل مطلق التصرّف بمغصوب بنفس السفر حتى نعل الدابّة أو رحلها- و بالجملة: ما يؤدّي إلى حرمة نفس قطع المسافة- قدح فيه، لا ما إذا لم يؤدّ إلى ذلك و إن كان هو محرّماً في ١٤/ ٢٦٠/ ٤٢٦
نفسه، بل حتى لو كان معه شيء مغصوب إلّا أنّه لم يتصرّف فيه بنفس قطع المسافة، كما لو كان معه متاع مغصوب أو دابّة مغصوبة جعلهما عند غيره من رفقائه في الطريق أو نحو ذلك، فتأمّل جيّداً فإنّه قد يدقّ الفرق في بعض المقامات بين المقارن للقطع، و بين ما يكون مقدّمة للقطع، أو القطع مقدّمة له، و قد علمت أنّ المدار على اقتضائه حرمة شخص القطع.
[عدم الفرق في سفر المعصية بين الابتداء و الاستدامة]:
ثمّ لا فرق في سفر المعصية بين الابتداء و الاستدامة، فلو كان ابتداء سفره طاعة فقصد به المعصية في الأثناء انقطع ترخّصه قطعاً و إن كان قد قطع مسافات.
[حكم العدول عن المعصية في أثناء السفر]:
كما أنّه يترخّص لو عدل عن سفر المعصية في الأثناء إلى قصد الطاعة لكن يعتبر في هذا بقاء مسافة (٢).
و على كلّ حال فلا إشكال في الترخّص بعوده إلى محلّه عن سفر المعصية، إلّا أن يكون قصد به المعصية أيضاً.
و لو عاد إلى الطاعة بعد قصده المعصية في الأثناء و ضربه في الأرض، ففي ضمِّ ما بقي إذا كان قاصراً عن المسافة إلى ما مضى- مسافةً كان بنفسه أو بتلفيقه مع الباقي- و طرح المتخلّل بينهما من المصاحب لقصد المعصية
(١) لإطلاق الأدلّة من غير معارضٍ؛ ضرورة عدم تأديته إلى حرمة السفر نفسه.
(٢) إذ لا عبرة بما مضى قطعاً و إن تجاوز المسافة؛ لفقده الشرط.
نعم صرّح بعضهم هنا بالاكتفاء فيها بالتلفيق ممّا بقي من المقصد- بعد العدول إلى الطاعة- و من العود [١]، بل نفى الخلاف عنه آخر.
و كأنّه منافٍ لما ذكروه في نظائره- كغير قاصد المسافة ابتداءً و نحوه- من عدم ضمّ ما بقي له من الذهاب إلى الرجوع و إن كان هو في نفسه مسافة، بل جعلوا للرجوع حكماً مستقلّاً عمّا بقي من الذهاب بلا فرق بين قصد الرجوع ليومه و غيره.
و الفرق بين المقامين مشكل، و لعلّه لذا لم يعتبر الضمّ المزبور هنا في الروضة [٢] أيضاً. اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ مقتضى الضوابط الضمّ في المقامين كلٌّ على مختاره في اعتبار الرجوع ليومه و عدمه، خرج عنها في غير المقام بالدليل، و بقي هو على مقتضاها.
[١] الرياض ٤: ٤٢٤.
[٢] الروضة ١: ٣٧٤.