جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٨٩ - اعتبار علم التابع بقصد المتبوع
كما أنّه لا ينافي الاستدامة على العمل في سائر ما تعتبر فيه من العبادات، فمن صام ناوياً للصوم و عازماً عليه لم يقدح في صحّة صومه بناؤه من أوّل الأمر على القطع عند عروض المانع منه، و لا تردّده في حصول المبطل قهراً له.
بل قد يقال بعدم قدحه لو تردّد فيه و كان احتمال العروض و العدم على حدّ سواء (١).
بل و كذا لو كان احتمال العروض أقوى أيضاً، فمن سافر قاصداً للمسافة و عازماً عليها إلّا أنّه يظنّ عروض اللصوص في طريقه الذين بسببهم يتردّد في سفره أو يقصد الرجوع قصّر فيه.
بل يمكن القول بذلك [بالقصر] حتى لو علم العروض (٢).
و أوضح منه لو فرض عروض العلم بذلك له في الأثناء (٣).
[اعتبار علم التابع بقصد المتبوع]:
نعم يعتبر علم التابع بقصد المتبوع مسافة (٤)؛ كي يتحقّق قصده إلى ذلك عند الانحلال.
أمّا لو جهله و احتمل كون مقصد المتبوع غير مسافة لم يترخّص (٥)، فحينئذٍ يتمّ و إن قطع مسافات (٦).
(١) لصدق قصد المسافة قبل العروض، و للاستصحاب.
(٢) إذ القاطع لقصد المسافة نقض القصد الأوّل فعلًا، لا العلم بحصول ما يقتضي النقض فيما يأتي من الزمان.
(٣) اللهمّ إلّا أن يقال: إنّه لا يتصوّر الاستمرار على القصد معه، كما أنّه لا يتصوّر أصل القصد إلى المسافة لو كان ذلك معلوماً له من أوّل الأمر، و هو أمر آخر غير ما نحن فيه، مع أنّه يمكن منعه خصوصاً في الأوّل و إلّا لنافاه التردّد أو الظنّ. و من ذلك كلّه:
١- ظهر لك ما في تقييد الشهيد؛ إذ حصول الأمارة لا ينافي التبعيّة المقصودة فعلًا المقتضية للعزم على مسافة المتبوع و القصد إليها، و لعلّه لذا أطلق الفاضل في المنتهى على ما حكي عنه قصر الزوجة و العبد و إن عزما على الرجوع بعد ارتفاع اليد عنهما [١].
٢- بل و ظهر ما في كلامه في الذكرى أيضاً من أنّه «لو بلغه خبر عبده أو غائبة في بلد يبلغ مسافة فقصده جزماً، فلمّا كان في أثناء الطريق نوى الرجوع إن ظفر به قبل البلد، فهو حينئذٍ في حكم الراجع عن السفر، فإن كان قد قطع المسافة لم يخرج عن السفر، و إلّا خرج» [٢] مع أنّه كان عليه [الشهيد] تقييده بما إذا قامت أمارة لذلك، لا مجرّد الاحتمال أو الفرض كما هو واضح.
(٤) كما صرّح به في الذكرى و الروض و مجمع البرهان [٣] و غيرها.
(٥) لعدم حصول الشرط؛ إذ إناطة قصده بقصد متبوعه- مع فرض الجهل به، و احتمال كونه غير مسافة- لا تجدي في تحقّقه و في صدق كونه قاصدَ مسافة، و إلّا لصدق على طالب الآبق و نحوه- الذي في علم اللّٰه أنّه لا يصيبه حتى يقطع مسافات- أنّه قاصد مسافة ممّا هو معلوم البطلان.
(٦) إذ قد عرفت أنّ تبيّن كون قصد المتبوع مسافة بعد ذلك لا يوجب القصر حال الجهل و لا حال العلم؛ لأنّ الشرط قصد المسافة ابتداءً.
[١] المنتهى ٦: ٣٤٠.
[٢] الذكرى ٤: ٣٠١- ٣٠٢.
[٣] الذكرى ٤: ٣٠٢. الروض ٢: ١٠٢٧. مجمع الفائدة و البرهان ٣: ٣٧٠.