جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٧٢ - المسافة الملفّقة
..........
اعتبار الرجوع ليومه في التقصير.
و كأنّ مراده بما قبل العشرة أن لا يقطع سفره بقاطع شرعي من الإقامة عشراً، أو البقاء متردّداً ثلاثين يوماً، أو المرور بوطن له أو نحو ذلك؛ ضرورة عدم خصوصيّة العشرة من بين قواطع السفر و إن كان لا يساعده صحيح عمران بن محمّد المتقدّم سابقاً.
اللهمّ إلّا أن يحمل الأمر فيه بالإتمام بالضيعة على التقيّة؛ لعدم كونها بنفسها عندنا من القواطع من دون الاستيطان ستّة أشهر، بل هو مذهب جماعة من العامّة كما قيل [١].
و كيف كان فقد وافقه على ذلك بعض مشايخنا المعاصرين [٢] و الكاشاني حاكياً له في المفاتيح عن الشيخ [٣] أيضاً.
و إن كنّا لم نتحقّقه، بل المتحقّق خلافه، و مدّعياً أنّه ممّا ألهمه اللّٰه، و أنّه لم يصل أحد من الأصحاب إليه سواه، بل ربّما صدر منه إساءة أدب و زيادة إنكار و عجب من غفلة جميع الأصحاب عن ذلك الذي جميع الأخبار دالّة عليه من غير غبار، و لا تنافٍ بينها من وجه، إذ المستفاد منها كما عرفت أنّ حدّ المسير المعتبر في التقصير ليس إلّا ما يعبّر عنه تارةً ببريدين، و اخرى بثمانية فراسخ، و اخرى ببياض يوم، كما صرّح به في جملة من الأخبار السابقة، مع تأكّد بعضها بأنّه لا أقلّ من ذلك و لا أكثر، و بأنّه أدنى ما يقصّر فيه. لكنّه أعمّ من أن يكون قطع هذا المسير في حالة الذهاب خاصّة أو مع الإياب وقع الإياب في يومه أو في يوم آخر، ما لم ينقطع سفره بأحد القواطع الآتية، فيصير سفرين يكون كلّ منهما أقلّ من الثمانية.
و حينئذٍ فكما يصحّ أن يقال: إنّه ثمانية فراسخ نظراً إلى الفردين معاً، يصحّ أن يقال: إنّه أربعة فراسخ نظراً إلى أحد الفردين و هو حالة الذهاب خاصّة، و لذا اطلق الأربعة في جملة من النصوص، فإنّ من سافر أربعة فراسخ فإنّما يسافر في الحقيقة ثمانية؛ لأنّه إذا رجع صار سفره ثمانية.
و قد بيّن ذلك بياناً شافياً في خبري زرارة [٤] و محمّد [٥] حيث قيل: «بريد ذاهب و بريد جائي»: و زيد بياناً في خبر زرارة حيث قيل: «و إنّما فعل (صلى الله عليه و آله و سلم) ذلك لأنّه إذا رجع كان سفره بريدين ثمانية فراسخ».
و أمّا خبر ابن مسلم- حيث تعجّب من قوله: «بريد» لما كان قد سمع أنّه بياض يوم، فأجابه (عليه السلام) بأنّه «إذا ذهب بريداً و رجع بريداً فقد شغل يومه»- فلا دلالة فيه على أنّه لا بدّ له الرجوع من يومه حتى يتحتّم التقصير، بل المراد به أنّ سفره حينئذٍ يصير بمقدار بياض يوم.
و إطلاق الأربعة في جملة من النصوص منزّل على التقييد [بالرجوع] المستفاد من جملة اخرى كما عرفت، على أنّ الغالب في السفر المراجعة فينصرف الإطلاق إليه.
[١] الرياض ٤: ٤١١.
[٢] الرياض ٤: ٤٤٧.
[٣] المفاتيح ١: ٢٥.
[٤] تقدّم في ص ٤٦٨.
[٥] تقدّم في ص ٤٦٩.