جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٧٤ - موقف المأموم من الإمام
..........
الذي معرفة صدق التقدّم و المساواة فيه من أوضح الأشياء. فلا حاجة حينئذٍ إلى ذكر ما سمعت [من الأقوال]، الذي لا يخلو جملة منه من إشكال و نظر، بل قد يقطع بفساد بعضه، كما أنّه لا حاجة أيضاً إلى ما وقع من بعضهم من تفسير التقدّم- المانع لصحّة الصلاة- بأن لا يكون المأموم أقرب إلى القبلة من الإمام [١]، و كأنّه إليه أومأ الشهيد بل و غيره أيضاً على ما حكي عنه باشتراطهم عدم أقربيّة المأموم إلى الكعبة من الإمام فيما صرّحوا به من جواز الصلاة جماعة بالاستدارة على الكعبة، مستدلّاً عليه في الذكرى بالإجماع عليه عملًا في الأعصار السالفة [٢].
إذ قد يناقش فيه بأنّه لا يتمّ في الصلاة جماعة في جوف الكعبة بناءً على جوازها؛ ضرورة عدم تصوّر القرب فيه إلى القبلة و البعد، إلّا أن يراد خصوص ما استقبله الإمام من الجدار مثلًا، بل قد يدّعى عدم تصوّر أصل التقدّم و التأخّر في بعض صور الجماعة فيه، بناءً على جوازها لو تخالفا في جهة الاستقبال فيه، إمّا بأن يكون وجه أحدهما إلى الآخر، أوقفا كلّ منهما إليه، بناءً على أنّ الشرط في المسألة السابقة عدم الحائل بين الإمام و المأموم لا المشاهدة، على أنّه يمكن فرض تحقّقها و لو بفرض التعاكس الناقص لا التامّ؛ لعدم إرادة المشاهدة الاماميّة منها، و إلّا لما اكتفوا فيها بأطراف العيون في الصفّ الأوّل و في جناحي الإمام و في الصفّ خلف الباب المفتوح، و غير ذلك ممّا سمعت الإشارة إليه. اللهمّ إلّا أن يمنع مثل هذه الكيفيّات من الجماعة التوقيفيّة [٣]؛ لعدم معهوديّتها بل معهوديّة خلافها، بل هي أولى بالمنع من الاستدارة التي استشكل فيها في المدارك و الذخيرة، بل منعها العلّامة في جملة من كتبه على ما حكي عنه، و خصّ الصحّة بصلاة من هو خلف الإمام أو إلى جانبه، محتجّاً بأنّ موقف المأموم خلف ١٣/ ٢٣٠/ ٣٧٩
الإمام أو إلى جانبه، و هو إنّما يحصل في جهة واحدة، فصلاة من غايرها باطلة، و بأنّ المأموم مع الاستدارة إذا لم يكن واقفاً في جهة الإمام يكون واقفاً بين يديه، فتبطل صلاته [٤]. و إن كان قد يناقش:
أوّلًا: بالإجماع الذي سمعته في الذكرى.
و ثانياً: بإمكان دعوى صدق الخلف و الجانب؛ إذ هما بالنسبة إلى كلّ واحد بحسبه و لو بملاحظة الدائرة البركالية، و لعلّه محافظة على ذلك اعتبر المجوّزون عدم أقربيّة المأموم إلى الكعبة من الإمام، بل ينبغي على مختار الحلّي- من اعتبار تقدّم الإمام- اشتراط أقربيّة الإمام إلى الكعبة. لكن قد يشكل بأنّه لا تلازم بين كون المأموم خلفاً أو جانباً بحسب الدائرة البركاليّة، و بين عدم أقربيّته إلى الكعبة من الإمام؛ ضرورة زيادة جوانب الكعبة فقد يكون قريباً جدّاً إليها و إن كان هو خلفاً بحسب الدائرة، كما هو واضح.
و ثالثاً: بإمكان منع اعتبار الخلف و الجانب في الجماعة. نعم يعتبر عدم تقدّم المأموم مثلًا على الإمام و إن كان ذلك يلزمه- حيث يكون الاستقبال إلى الجهة- الخلف أو الجانب، و لعلّ اعتبارهما في كثير من الأخبار مبنيّ على الغالب. و لا ريب في عدم صدق التقدّم في الكيفيّة المفروضة [أي الاستدارة]، إلّا أنّ المتّجه على هذا التقدير سقوط الشرط المزبور، أي عدم كون المأموم أقرب مطلقاً، بل يكتفى حينئذٍ بعدم صدق التقدّم.
و كيف كان فالأقوى [الصحّة].
[١] مفتاح الكرامة ٣: ٤١٨.
[٢] الذكرى ٣: ١٦١.
[٣] المدارك ٤: ٣٣٢. الذخيرة: ٣٩٥.
[٤] التذكرة ٤: ٢٤١. المختلف ٣: ٩٠. المنتهى ٦: ٢٥٧.