جواهر الكلام في ثوبه الجديد - النجفي الجواهري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١١٨ - حكم الحائل بين الإمام و المأموم
..........
اللهمّ إلّا أن يدّعى عموم لفظ «ما» فيه لهما، كما يومئ إليه عبارة الغنية السابقة مؤيّداً بتفريع السترة و الجدار عليه في الصحيح؛ إذ الموجود في كثير من النسخ الفاء و إن كان فيما حضرني من نسخة الوافي [١] الواو.
بل و كذا إن كان المراد ما فيه من منع الاقتداء بمن في المقاصير؛ إذ لعلّها لم تكن مخرّمة، فإنّ المقاصير جمع المقصورة، و هي كما في المجمع: «الدار الواسعة المحصّنة أو أصغر من الدار كالقصارة بالضمّ، فلا يدخلها إلّا صاحبها» [٢]، و في الوافي:
«المقاصير جمع المقصورة، و مقصورة المسجد مقام الإمام أي ما يحجر، لا يدخل فيه غيره» [٣]، و ليس فيها إطلاق يتمسّك به فضلًا عن الصراحة؛ ضرورة إرادة المقاصير المخصوصة.
لكن و مع ذلك كلّه فالإنصاف بناء المسألة على اعتبار ما شكّ في اعتباره في الجماعة و عدمه و لو لإطلاق الأدلّة، كقوله تعالى: (ارْكَعُوا مَعَ الرّٰاكِعِينَ) [٤] و غيره؛ ضرورة كون ما نحن فيه منه؛ إذ لو سلّم أنّ الصحيح لا دلالة فيه على المنع منه إلّا أنّ ذلك بمجرّده لا يصلح مقتضياً للجواز.
و كأنّه هو منشأ القائلين بالصحّة معه، أو البناء على الثاني كما هو المفهوم من استدلال جملة من الأصحاب حتى الشيخ [٥]، بل ظاهر إرسالهم له إرسال المسلّمات أنّه لا كلام فيه، بل قد يظهر من بعض عبارات الشيخ الإجماع عليه [٦]، إلّا أنّ الأوّل لا يخلو من قوّة؛ إذ ليس في شيء من الأدلّة ما سيق لبيان حصول الجماعة بما يشمل الفرض، بل هي بين مساق لبيان فضلها و بين مساق لبيان انعقادها من غير هذه الجهة، و غير ذلك، حتى الآية منها التي خوطب فيها بنو إسرائيل بإقامة الصلاة و إيتاء الزكاة و الركوع مع المسلمين الراكعين لو سلّم إرادة الجماعة منها، و إلّا فمن المحتمل إرادة الخضوع و الخشوع من الركوع فيها، أو الصلاة على معنى دخولهم معهم و صيرورتهم مثلهم في أداء الصلاة معبّراً بالركوع عنها؛ لأنّه أوّل أركانها المميّزة لها عن غيرها، و كرّرها اهتماماً بشأنها، و إظهاراً لإرادة ذات الركوع من الصلاة التي امروا بإقامتها، لا صلاة اليهود الخالية عن ذلك كما قيل [٧]، أو لأنّ المراد منها صلاة الجمعة الواجب فيها الاجتماع، كما هو مقتضى حقيقة الأمر بالركوع معهم، أو مطلق الجماعة.
و على كلّ حال فلم تسق لبيان حصول الجماعة و انعقاد الصلاة بمجرّد صدق اسم الركوع معهم، على أنّه قد يمنع تحقّق المعيّة مع الحائل و لو شبّاكاً، فدعوى حصول الجماعة و ثبوت أحكامها- المخالفة للأصل من سقوط القراءة و وجوب المتابعة و نحوهما- بمثل ذلك كما ترى.
و من هنا كان الاحتياط حينئذٍ بما ذكره الشيخ لا ينبغي تركه، بل تردّد فيه في الكفاية [٨].
[١] الموجود في نسختنا «الفاء»، الوافي ٨: ١١٩٠- ١١٩١، ح ٨٠٢٣.
[٢] مجمع البحرين ٣: ٤٥٩.
[٣] الوافي ٨: ١١٩١، ذيل الحديث ١٤.
[٤] البقرة: ٤٣.
[٥] المبسوط ١: ١٥٦.
[٦] الخلاف ١: ٥٥٧- ٥٥٨.
[٧] مجمع البيان ١- ٢: ٩٧.
[٨] كفاية الأحكام ١: ١٤٨.