شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٧٠٠ - فالحديث تفسير قوله تعالى سخر الله منهم
اللّه تبارك لا يسخر و لا يستهزئ و لا يمكر و لا يخادع، و لكنّه عزّ و جلّ يجازيهم جزاء السخرية و جزاء المكر و الخديعة، تعالى اللّه عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا.
شرح: السخرية و الاستهزاء متقاربان، كما انّ المكر و الخديعة متساوقان.
و الاستهزاء: الاستخفاف من «الهزء» و هو الخفّة، يقال: «ناقته تهزأ به» أي تسرع و تخف. و أصل الخداع: الإخفاء و منه المخدع للخزانة. و الخدعة أن توهم غيرك خلاف ما تخفيه لتنزله عمّا هو بصدده. و كل ذلك على اللّه محال: أمّا السخرية و الاستهزاء فلاستلزامهما الجهل عليه تعالى، ألا ترى الى قول موسى النبيّ- عليه السّلام- حين قيل له: أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [١]؛ و أمّا المكر و الخداع فلأنّهما انّما يصدران من العاجز و الخائف الذي لا يعارض الخصم كفاحا، فيجب فيها المصير الى معنى صحيح؛ أمّا آية السخرية و الاستهزاء ففيها وجوه:
الأوّل ما ذكره الإمام- عليه السّلام- من انّه يجازيهم جزاء السخرية و جزاء الاستهزاء فقد سمّى جزاءهما باسمهما كما سمّى جزاء السيئة سيّئة، إمّا لمقابلة اللفظ باللفظ فيكون من مجاز «المشاكلة» و إمّا للتساوي في القدر لأنّ حكم الجزاء أن يكون على المساواة فيكون «استعارة مصرحة» تبعية بعلاقة التشابه في القدر.
و الثاني، انّه يرجع عليهم وبال استهزائهم و يعود ما قصدوه به إليهم كمن يرميك بحجر فتأخذ أنت ذلك الحجر و ترميه إليه، أو يقع في موضع صلب فيردّ إليه، و قد ردّ اللّه سبحانه ما قصدوه من غمّ المؤمنين بتزايد غمّهم يوما فيوما لتضاعف نصر النبيّ و المؤمنين و إعلاء كلمة الدين فالكلام «استعارة» أيضا.
و الثالث، ينزل بهم ما يلزم الاستهزاء و يترتّب عليه من الحقارة و الهوان فالكلام مجاز مرسل تسمية السبب باسم المسبّب.
[١] . البقرة: ٦٧.