شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٧٠١ - فالحديث تفسير قوله تعالى سخر الله منهم
و الرابع، انّه يعاملهم معاملة المستهزئ، أمّا في الدنيا فبالاستدراج على التمادى في الضلالة بالإمهال و الزيادة في النعمة، فكلّما أحدثوا خطيئة جدّد اللّه لهم نعمة ليستدرجهم الى الهلاك و العقاب بسبب طغيانهم في كفرهم، و هذا لقوم، أو يحسّن في أعينهم قبائح أعمالهم، و ذلك لطائفة؛ و أمّا في الآخرة فبأن يفتح لهم و هم في النار بابا الى الجنّة فيسرعون نحوه فإذا صاروا إليه سدّ عليهم و فتح لهم باب آخر الى الجنّة، فيسرعون إليه ثمّ يسدّ عليهم، و ذلك قوله: فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ [١] و على هذا فالكلام «استعارة تمثيلية».
و الخامس، انّ معنى الاستهزاء بهم انّه تعالى جعل لهم بما أظهروه من موافقة المؤمنين ظاهر أحكامهم من الموارثة و المناكحة و غير ذلك من الأحكام، و إن كان قد أعدّ لهم في الآخرة أليم العقاب. بما أبطنوه من الكفر و النفاق، فهو سبحانه كالمستهزئ بهم من حيث جعل لهم أحكام المؤمنين ظاهرا لكن ميّزهم عنهم في الآخرة.
و هذه الوجوه يمكن أن يذكر في المكر و الخديعة و بالجملة، معنى خداعهم للّه انّهم يعملون عمل المخادع من انّ صورة صنيعهم مع اللّه و صنيع اللّه معهم من استدراجهم و إمهالهم مجازاة لهم بمثل صنيعهم صورة عمل المتخادعين.
و قيل: المعنى انّهم يخادعون رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- إمّا على حذف المضاف أو على انّ معاملة الرسول معاملة اللّه كما قال تعالى: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [٢] و معنى الخداع من اللّه انّ مضرّة الخداع ترجع إليهم و ضررها يحيق بهم، كما قال تعالى في موضع آخر: وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ [٣] و ذلك لما غرّوها بالخدعة، و أنفسهم أيضا خدعتهم حيث حدثتهم بالأماني الفاسدة و حملتهم على مخادعة من لا يخفى عليه خافية.
[١] . المطفّفين: ٣٤.
[٢] . النساء: ٨٠.
[٣] . البقرة: ٩.