شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٦٧٣ - الباب السادس عشر باب تفسير قول الله عز و جل نسوا الله فنسيهم لا يمكن معرفته تعالى إلا به
يعلم ما هي؟ و كذلك الأمور الروحانية اللطيفة»- انتهى الكلام الذي بعد كلام الخالق و فوق كلام المخلوق.
و من وجه آخر، نقول: انّ المدرك بالفتح على قسمين: ما يكون مدركا بذاته كالمحسوس و الكثيف، و ما يدرك بفعله و أثره و هو المعقول و اللّطيف، و لمّا كان المبدأ الأوّل مباينا عن خلقه غير مناسب له في شيء من أمره فلا مناسبة بينهما رأسا فلا يشبه ذاته بذات المخلوق و لا فعله بفعله، فيمتنع أن يدرك من جهة الذات و من جهة الفعل، ألا ترى الى هذا المفعول الصناعي كالكرسي حيث لا يعرف صانعه و هو الشخص الإنساني إلّا بالوجود، و الى المفعول التكويني الذي كالفلك لا يعرف هو صانعه الذي هو النفس الكليّة، و الى المفعول الطبيعي كالمواليد ليس لها وقوف على فاعلها الذي هو الطبيعة الكليّة، و الى المفعول الانبعاثي الذي هو النفس الكلية المنبعثة عن العقل كانبعاث الصورة الدّحيوية عن الحقيقة الجبرئيلية، فانّها لا تعرف العقل الذي انبعثت عنه لأنّها تحت حيطته و هو المحيط بها لأنّها خاطر من خواطره، و كذا المفعول الإبداعي الذي هو الحقيقة المحمديّة- صلّى اللّه عليه و آله- عندنا، و العقل الأوّل في بعض المصطلحات هو أعجز و أمنع عن إدراك فاعله الذي هو المبدأ الأوّل تعالى، لأنّ بين كلّ مفعول من المفاعيل المتقدّمة و فاعله نسبة من النسب و ضربا من المشاكلة، فلا بدّ أن يعلم منه قدر ما بينهما من ذلك، إمّا من جهة الجوهرية أو غيرها. و من البيّن انّه لا مناسبة بين المبدع و مبدعه فهو أعجز عن معرفة فاعله من غيره؛ كذا قيل.
و من وجه ثالث، نقول: انّ الإنسان انّما يدرك الشيء إمّا بإحدى الحواسّ الظاهرة و لا ريب انّه تعالى ليس يدرك بالحسّ، و إمّا بالخيال و نظائره و هو أيضا لا يدرك إلّا ما أعطته الحواس، و إمّا بالقوّة العقلية و من المقرر في مظانّه انّها لا تدرك إلّا ما علمه بالبديهة أو بالفكر، و المعقول بالبديهة ليس إلّا من الأمور العامة، و بالفكر ليس إلّا ما يحصل بالحدود و الرسوم، و اللّه جلّ جلاله منزّه عن ذلك كلّه، نعم، قد يهبه اللّه تعالى معرفته لا من جهة الفكر و لا باستقلال منه لإدراكها، بل من