شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٧١ - الحديث الثاني في تفسير قوله تعالى خلقت بيدي
الطرف الثالث: قال بعض العرفاء [١]: انّ قرينة الحال تدل على مباشرة خلقه بيديه على جهة التشريف الإلهي بحسب ما يليق بجلاله، فلذلك سمّاه «بشرا» إذ «اليد» بمعنى القدرة لا شرف فيها، و «اليد» بمعنى النعمة كذلك، فانّها عمّت جميع الموجودات فلا بدّ لقوله: «بيديّ» من أمر معقول له خصوصية هي المفهوم من لسان العرب الذي نزل القرآن بلغتهم، فإذا قال صاحب اللّسان: «فعل هذا بيده» يفهم منه رفع الوسائط، فكانت نسبة آدم في الجسوم الإنسانية نسبة العقل الأول.
و لمّا كانت الأجسام مركّبة طلبت اليدين لوجود التركيب، و لم يذكر ذلك في العقل لكونه غير مركّب، فاتّفقا [٢] في رفع الوسائط، و ليس بعد ذلك في التكوين مع ذكر اليدين إلّا أمر من أجله يسمّى بشرا و سرت هذه الفضيلة [٣] و الشرف في البنين، فلم يوجد منهم إلّا عن مباشرة. و بالجملة، «لمّا جمع له في خلقه بين يديه علمنا انّه قد أعطاه صفة الكمال فخلقه كاملا جامعا و لهذا قبل ظهور الأسماء كلّها، فهو مجموع العالم من حيث حقائقه، إذ العالم ليس إلّا مظهر تفاصيل الأسماء، فهو عالم مستقلّ و العالم تفصيله، و هو الكتاب الجامع، و هو للعالم كالروح من الجسد، فبالمجموع يكون العالم هو الإنسان الكبير» [٤]- انتهى.
أقول [٥]: فعلى هذا التنظير [٦]، أي كون الإنسان نظير العقل، و كونه آخر المولّدات
[١] . و هو محيي الدين في الفتوحات المكيّة، ج ٢، ص ٧٠، السؤال ٤٤ مع تصرف بالتلخيص.
[٢] . فاتّفقا: فاجتمعا (الفتوحات).
[٣] . الفضيلة: الحقيقة (الفتوحات).
[٤] . الفتوحات، ج ٢، ص ٦٧، ملخّصا.
[٥] . اقول:- م د ر.
[٦] . من هنا الى آخر «الطرف» اقتباس من كلام محيي الدين في الفتوحات ج ١، ص ١٢٥:
«فهو نظير العقل الأول و به ارتبط، لأنّ الوجود دائرة، فكان ابتداء الدائرة وجود العقل الأوّل