شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤٨٥ - إشارة الى طرق المعرفة و ان الله لا يعرف إلا به
فالأوّل، من هذه الثلاثة معرفة الشيء بالحجاب و المراد به ما يحجب الشيء عن غيره و يمنع اتّصال شيء إليه، و هو هاهنا عبارة عن الصفات الخصيصة به، و الأمور التي يمتاز بها عن غيره؛
و الثاني، من هذه الثلاثة معرفة الشيء بالصورة و هي الكيفيات العارضة للشيء بسبب عروض أيّة مقولة كانت إيّاه؛
و الثالث منها، معرفة الشيء بالمثال و هو عبارة عمّا يماثل الشيء في كلية معنى من المعاني سواء كانت أمورا داخلة في الذات أو خارجة عنها [١]!
و استدلّ على انّه لا يمكن أن يعرف بها و بالجملة، يمتنع أن يعرف بغيره تعالى: انّ هذه المعرّفات لا محالة غيره و هو ظاهر، فلو كان له مميز يحجبه، أو كيفية ذاتية يتصوّر بها، أو مفهوم كلّي يصدق عليه و على غيره حتّى يماثله فرد آخر من هذا المفهوم، لكانت هذه الأمور معه تصحبه في أزليته، و اللّه سبحانه واحد أزلا، موحّد أبدا، فمعرفته بغيره ينافي التوحيد؛ فكيف يعتقد توحيده من زعم انّه عرفه بغيره، لأنّ وجود الغير ينافي وحدته سبحانه، فلا يعرف اللّه أحد سوى من عرفه به، بأن يعتقد بطلان كلّ ما سواه و يتيقّن هلاك جميع ما عداه أزلا و أبدا كما سبق في الخبر المتقدّم. و «أصدق قيل قالته العرب قول لبيد: «ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل» [٢] فسبحان الذي لا برهان عليه و هو البرهان على نفسه و على كل شيء [٣].
ثمّ أفاد- عليه السّلام- انّ معرفة اللّه بغيره انّما معرفة الغير، و ليست من معرفة اللّه في شيء، لأنّ المغاير في التعريفات التي للأشياء الممكنة انّما يناسبها من وجه و يغايرها [٤] من آخر، و ليس هذا الشأن [٥] للأمور المغايرة له سبحانه، فانّها مباينة له
[١] . عنها: منها م.
[٢] . أشرنا الى مأخذه سابقا.
[٣] . قوله: «لا برهان عليه ...» من كلام ابن سينا في إلهيّات الشفاء، ص ٣٥٤.
[٤] . يغايرها: تغايرها د.
[٥] . الشأن:- م د.